يبدو المشهد مألوفاً: بدوٌ وعشائر يغيرون، يقتلون، وينهبون. كأنه مشهد من فيلم كلاسيكي باهت يأبى أن يطويه النسيان. نهضت حضارات ثم اضمحلت برزت أديان وفلسفات ثم خبت أو اندثرت، غير ان هذا المشهد السوريالي للبدوي الذي نادرا ما تهذبه حضارة، او دين، او فلسفة، او أيديولوجية الا نادرا يبقى مشهدا خالدا عصياً على الزوال.
يقول ابن خلدون في مقدمته إن البداوة هي “أصل الحضارة ومتقدمة عليها” ويرى فيها شرطاً ضرورياً لتطور أي جماعة بشرية. وللوهلة الأولى تبدو هذه النظرية مقبولة، إذ ان كثيراً من الأقوام مرّوا فعلا بأطوار من البداوة قبل أن ينالوا نصيبهم من التحضر. غير أن هذه الرؤية تبدو مربكة عند إسقاطها على الحالة البدوية – العشائرية في عمق بادية الشام وما جاورها، فالمنحنى البياني الأنثروبولوجي لبدو الشام لا يكشف إلا عن قفزات عابرة وسريعة نحو بعض أنماط الحياة الحضرية، فيما ظل المسار العام خطاً مستقيماً للبداوة ممتداً عبر قرون طويلة من الزمن.
يتبنى ابن خلدون موقفا مركبا من البدو والبداوة فيجدهم من جانب اهل بأس وأقرب الفطرة، ومن جانب أخر يصفهم بأنهم ” أهل انتهاب، وليس عندهم في أخذ أموال الناس حدٌّ ينتهون إليه، بل كلما امتدت أعينهم إلى مال أو متاع أو ماعون انتهبوه”
و الحال أن ابن خلدون لم يكن وحده من من تبنى هذا الموقف المركب تجاه البدو و القيم البدوية انما كل من درس البدو و البداوة في عمق الصحراء العربية و بوادي الشام و العراق. ليس من العسير التقاط تلك الدهشة لدى كل الذين تتبع البدو في احوالهم و معاشهم امام تلك الثنائيات المتنافرة في قيم البداوة : وفاء يجاوره غدر، كرم فياض يواجهه جشع بلا حدود ، شجاعة يقابلها حذر مفرط و كأنها، أي البداوة، مرآة مزدوجة للفضائل والرذائل معا!
اختصر الرحالة و عالم الاثار الالماني ماكس اوبنهايم في كتابه ” البدو” هذه الثنائيات المتنافرة فكتب التالي : “تتعارض خصائص البدوي من جوانب كثيرة مع المفاهيم الحقوقية لحضارتنا الأوروبية الحالية، او مع مفاهيم عرب المدن الراقين. ان السمات الملازمة لحياة البدوي هي الحاضنة التي تطورت فيها اكثر رذائله الاساسية : اعني ريبته، و طمعه غير المحدود، و غضبه السريع الاشتعال، و انزلاقه السريع الى العنف ، و السرقة . رغم هذا، يعتبر البدوي شخصا يعتمد عليه الي ابعد حد، فهو يحترم علاقة الاخوة، و يفي بوعوده ، و يلزم نفسه بها!”
القيم البدوية وان تكن قد ولدت في البيئة البدوية الخالصة بين مضارب القبائل الرحل، فإنها على ما يبدو لا تنقضي بانقضاء البداوة ولا تضمحل مع رسوخ الاستقرار، بل تظل عالقة في وجدان الجماعة، مطبوعة في سلوكها وعاداتها. وهكذا تنشأ ازدواجية في كيان هذه المجتمعات، فهي وإن فارقت حياة البادية فعلا، تبقي أسيرة لقيمها البدوية، محكومة بسلطانها.
عندما حاول عالم الاجتماع العراقي علي الوردي تفكيك شخصية الفرد و المجتمع العراقيين و بعض الأنماط السلوكية السائدة لم يجد بدا من الانغماس في البداوة و القيم البدوية و خرج بعنوان ملفت للمحرض العام للثقافة البدوية و هو” التغالب”، الثقافة التي تقوم على القوة و السيطرة ، ثم رتب لاحقا محددات هذه الثقافة ب: العصبية القبلية ، الغزو، و من ثم المروءة!
الغزو والنهب
الحرب والقتال كانا من اهم معالم البداوة وبدونهما لا يستطع البدوي الاستمرار في ظل شح الموارد ومحدودية الإمكانات. شكلت غزوات و غارات البدو كابوسا مستمرا للتجمعات الحضرية في الجوار ومصدرا مستمرا للقلاقل و الاضطرابات. أنهكت هذه الغزوات روما و بيزنطة على حدودها الجنوبية و شكلت تحديا مستمرا لهما فكانتا تديران العلاقة معهم بمزيج بين القوة والمال والتحالفات القبلية و اطلقت عليهم تسمية غير لطيفة ” السراسنة” وهي التسمية التي استمرت معهم حتى بعد ظهور الدعوة المحمدية، ثم تبناها العالم الغربي لاحقاً كإشارة عامة إلى المسلمين.
النمط الحياتي والسلوكي ظل سائدا في البادية لقرون مديدة دون أي تغييرات جوهرية سوى ما كانت تضيفه أدوات الحرب الحديثة التي تصلهم من خارج البادية. وهذه الغارات وان كانت عادة ما تستهدف التجمعات الحضرية في الجوار كانت على سوية مماثلة وربما بشكل أعنف، بينية بين القبائل نفسها وغالبا ما كانت القبيلة القوية تنهش القبيلة الأضعف منها. ستجد أن كتب التاريخ متخمة بأنباء الحروب القبلية وغزواتها. ويمكن تتبع بعض الفظائع التي رافقت هذه الصراعات فيما دونته آن بلنت في كتابها قبائل الفرات وماكس اوبنهايم في كتابه البدو عن الغزوات الدامية بين قبيلتين حديثتي العهد في بادية الشام، عنزة وشمر، خلال منتصف وأواخر القرن التاسع عشر. كان الغزو وما يرافقه من نهب وإن يكن وسيلة لكسب الرزق كان أيضا وسيلة لكسب المجد الشخصي والتفاخر بين الاقران وقد وصف الكاتب العراقي عبد الجبار الراوي هذه الظاهرة ب ” الغزو عند البدو محمدة وتمجيد لا ذم فيه ولا نقيصة”.
يورد على الوردي حادثة طريفة عن أن الجد الأعلى لقبيلة شمر، فرحان باشا، قد نزل ذات يوم في قرية المشاهدة قرب بغداد فرأى رجالها ضخام الاجسام فسألهم هل تغزون؟ فأجابوه: انهم لا يغزون ولم يتخذوا من الغزو صنعة. فقال: اغزوا من هم أطكع منكم (أي من هم أضعف منكم). يمكن تناول هذه الواقعة التي يوردها الوردي كنكتة للتداول غير انها يمكن ان تكون ميدانا ثريا للتحليل النفسي والاجتماعي. فهي تشي بحجم عمق نزعة التفوق القبلي وهذا النفور من الحالة الحضرية القائمة على كسب الرزق من خلال الكد والعمل وربما بوصفها أيضا تعبيرا عن شعور دفين بالتهديد للهوية القبلية وقيمها القائمة على القوة التغالب. فمن لا يغزو، في الذهنية البدوية، يفقد احدى سمات” الرجولة”. وكان من السائد أن تنظر قبائل البدوية الخالصة كشمر مثلا أن تنظر نظرة دونية إلى قبائل شهدت أشكالا من الاستقرار وكسب الرزق عن طريق الزراعة وتربية الماشية على أطراف الخابور، كالجبور مثلا!
والبادية، بما تمتد عليه من مساحات شاسعة تتقاطع فيها طرق التجارة وطرق الحج، كانت مسرحا مفتوحا لتحركات القبائل الباحثة عن الغنيمة وكسب الرزق وكلما ضعفت سطوة الدولة على اختلاف الحقب كانت فوضى القبائل تتسع أكثر وتصبح أكثر جرأة وتصبح تلك القوافل صيدا سهلا أكثر. كان الولاة العثمانيون في فترات مختلفة يلجؤون الي دفع مخصصات مالية لشيوخ العشائر لكف يد القبائل ومنعها من التعرض للقوافل التجارية وقوافل الحج، وكان غالبا ما يترتب على التأخر في دفع هذه المخصصات غارات مميتة ضد هذه القوافل.
يورد الضابط الروسي التتري عبد العزيز دولتشين من ضمن مشاهداته في الحجاز في منتصف القرن الثامن عشر ومرافقته لقافلة حج :” ظهر بدوي وأخذ بين الركب عارضا بيع سلاح وحزام والبسة حج و غير ذلك ، و بدلة حاج قتله، قبل ذلك ، الأمر الذي اعترف به بنفسه ، و لم يشتره أحد رغم السعر التافه. وكان البدو يطمئنون دائنيهم قائلين: اصبروا حتى وصول الحجاج، انهب أحدا منهم وأؤدي ديني“
قد يكون من المتعذر فهم كيف يمكن أن قبائل مسلمة تنذر نفسها لهذا السلوك الشنيع في قطع طرق قوافل الحجاج ونهبهم وسلبهم غير، انه يمكن فهم هذا الشكل من اشكال التراخي العقائدي والسلوكي الديني حين قراءة أراء الرحالة والمستشرقين الذين غطوا بعض جوانب الحياة الدينية لهذه القبائل.
يمكن سبر هذا الجانب في بعض كتابات السيدة آن بلنت في كتابها قبائل بدو الفرات حيث تشرح الجانب الديني لدى البدو بالتالي: إن الله هو الله، جملة يعبر عنها البدو بسذاجة عن كل ما يعرفونه عن الله. لا يسجدون لله ويتساوى لديهم الحب والخوف منه. وإذا ما كانت لهم علاقة مباشرة مع الله فهو شاهدهم الصامت في كل قسم يقسمونه في نزاعاتهم. وحتى في هذه الحالة فهم لا يتوقعون شيئا من لدنه، ولا المغفرة من خطأ، أو العقوبة في قسم كاذب.
ونجد ماكس فون اوبنهايم يورد رأيا مماثلا يشرح في هذا الجانب من التكوين النفسي للبدوي في كتابه البدو.
من هنا يبدو أن الرادع الديني كان ثانويا إن لم يكن معدوما ف البدوي في التعامل مع ضحاياه الذين يقعون تحت رحمته إثر غاراته الخاطفة وسنعرف لاحقا ان ما كان يحدد موقف البدوي من ضحاياه لم يكن الايمان ولا الخوف من العقاب الإلهي إنما المحدد الثالث من محددات ثقافته كما أورده على الوردي ألا وهو: المروءة.
المروءة
لم تكن الروح العنيفة لدي البدوي روحا عدمية، فبرغم كل تلك الفوضى التي تحكم وجوده بقي البدوي في غزواته وممارساته العنيفة محكوما بضابط المروءة. تلك الفكرة التي تعلي من شأن الكرم والشجاعة وحماية الجار والضيف، حتى وإن كان ذلك في سياق يتنافى تماما مع قيم الدين أو يناقضها. فالمروءة عند البدوي لم تكن التزاما أخلاقيا بالمعنى الديني، بل قيمة اجتماعية نابعة من العرف والعزة الشخصية، تنظم العلاقة بين القوة والرحمة داخل منظومته القبلية. ومن هنا، كانت المروءة تمثل عامل التوازن الذي يمنع نزعة الغزو والنهب والسلب من الانفلات التام لتتحول إلى نزعة عدمية وفاقدة للمعنى.
يروي ماكس اوبنهايم في هذا السياق في كتابه البدو التالي: “عندما تحدث غزوة على مضرب خيام معاد ويتم نهبه، يفر من يصاب منهم بجراح ، كما يقضي عرف حربي قديم، إذا كانوا عاجزين عن المقاومة، لعملهم أن المنتصرين لن يلحقوا تحت أي ظرف الأذى بنسائهم وأطفالهم شيوخهم. في هذه الحالة يترك المهاجمون المنتصرون ما يكفي من الطعام وحيوانات الركوب للنساء، ليتمكنّ من النجاة بأنفسهن”.
ويروي أوبنهايم العديد من القصص التي عايشها بنفسه تبرز هذا الجانب من الثقافة البدوية حيث يتجلى احترام بعض القيم حتى في أشد لحظات العنف والغزو، كما يمكن العثور على روايات مشابهة في كتبات الرحالة الليدي آن بلنت وزوجها ويلفريد بلنت اللذين وثقا في رحلاتهما في الفرات تظهر هذا التناقض الفريد بين الميل للغزو والانتهاب وبين المروءة، بين العنف المفرط والإحساس بالشرف.
هنا يطفو على السطح هذا السؤال المؤلم الذي لا يمكن الإعراض عنه وهو: أين اختفى عامل المروءة؟ وكيف تحول جزء كبير من تلك القبائل الى ماكينة عنف وأداة إبادة في أيدي التنظيمات الجهادية.
البدو كأداة إبادة
شهد القرن الماضي و معه الربع الأول من القرن الحادي و العشرين تحولات فكرية و اجتماعية و تكنولوجية عميقة اعادت تشكيل البنى الذهنية و الأنماط السلوكية لمعظم الجماعات البشرية، دافعة بها نحو مستويات أرقى من السلوك الإنساني و قيم أكثر عصرية قوامها احترام حقوق الانسان مع تشديد اكثر على حقوق المرأة و الطفل، وإرساء علاقات سلمية بين المجموعات الاهلية تقوم على التسامح و العيش المشترك و لا يمكن تصور كيف يمكن لجماعات أهلية أن تمضي في القرن الحادي و العشرين بذات القيم و الأفكار و السلوكيات التي سادت في القرن التاسع عشر و القرون التي قبله و لكن بعد ان فقدت أهم محدد من محددات ثقافتها القديمة : المروءة.
استفاق إيزيديو قرية كوجو والقرى والمدن الإيزيدية على طول الجغرافيا الإيزيدية ذات صباح في عام 2014 وقد اجتاحت ذئاب بشرية ارواحهم وأعراضهم وأموالهم. من انتهك وجودهم لم تكن كائنات هبطت من عالم مواز، بل وجوها يعرفونها جيدا، جيران الأمس، شركاء الخبز والماء والجغرافيا.
سيكون دوما من السهل تصوير المأساة الايزيدية بتبسيطها على انها مجرد تغول لتنظيم متطرف على جماعة دينية وثنية غير مؤمنة. غير هذا التفسير- علي صحته الجزئية – يبقى هشا وسطحيا يغفل أهم ما في الحدث: حاضنة اجتماعية قبلية جرى تفخيخها عقائديا وتجريدها من أهم محددات ثقافتها وهو: المروءة – حتى غدت أداة في مشروع إبادة مكتمل الأركان.
لاحقا -استفاق الدروز في سوريا ذات صباح على نفس المشهد الذي استفاق عليه الإيزيديون في سنجار قبل عشرة أعوام. ذئاب بشرية تجتاح أرواحهم وأعراضهم وأموالهم، فزعات عشائر جرى تطييفها وتفخيخها عقائديا وتجريدها من أهم محددات ثقافتها: المروءة من قبل سلطة متطرفة لا تراهم إلا مشروع إبادة ضد الغير.
كانت المروءة دوما الضابط الأخلاقي الخفي لعنف البادية والعامل الذي يضبط إيقاع العنف المفرط بما يمنحه مسحة إنسانية وبغيابها تحول ذلك العنف من وسيلة للبقاء إلى وسيلة للإفناء. و إذا كان من المتعذر تجاوز الثقافة و القيم البدوية في القرن الحادي و العشرين فلا أقلّ من محاولة ترميم المعادلة التي اختلت بغياب معادل المروءة وإلا فإننا سنشهد مآس أخرى مرة بعد أخرى.

