لم تعد فكرة بناء الدولة الكوردية حلمًا مؤجلًا، بل أصبحت واجبًا تاريخيًا وضرورة سياسية تمتحن نضج الحراك الكوردي وقدرته على الانتقال من منطق الثورة إلى منطق الدولة، من الحلم إلى الفعل، ومن الشعارات إلى المؤسسات. فالمسألة لم تعد في جوهرها مقاومة ضد الآخر، بل مقاومة ضد العجز عن التحول إلى كيانٍ منظمٍ يمتلك مؤسساته وقوانينه ورؤيته للعالم.
لقد نبهت مرارًا، في الكتابة والإعلام والسياسة، إلى أن على الحراك الكوردي أن يرتقي من منطق التنظيم الحزبي إلى منطق إدارة الدولة، لأن ما تحقق من مكتسباتٍ بفضل دماء الشهداء ودعم التحالف الدولي، لا يمكن أن يبقى رهينة الأساليب القديمة التي أثبتت محدوديتها. فالقضية لم تعد تتعلق بإدارة منطقة جغرافية تكون تابعة لسلطة مركزية متآكلة تتأرجح ما بين الاستبدادين القومي والديني، بل بتأسيس نموذج حكمٍ يعكس نضوج التجربة الكوردية وقدرتها على الإدارة الحديثة، بمنهجية سياسية واقتصادية وأمنية واضحة، وبمنطق الدولة التي تدير، لا القوى الحزبية التي تسيطر.
الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، بما راكمته من خبرةٍ تجاوزت العقد، تقف اليوم أمام امتحانٍ مفصلي، أن تكون بذرة دولةٍ حقيقية أو تجربةً عابرة في ذاكرة التحولات السورية. والمطلوب تفعيل مؤسساتٍ معطلة، وتوسيع الموجود، تُدار بعقلٍ حكوميٍّ أوسع ومستقل، تتوزع فيه الصلاحيات، ويُعاد فيه تنظيم القطاعات الاقتصادية والإدارية والقضائية. فالدولة لا تُختصر في سلطةٍ سياسية، بل تُبنى على منظومةٍ من المؤسسات التي تضمن استمرار الحياة العامة وتوازنها.
لقد أدى غياب منطق الدولة، خاصة بعد زوال النظام البائد، وسلطة بشار الأسد المجرم، إلى فراغٍ إداريٍّ واقتصاديٍّ في مراكز متعددة، مئات من القضاة والمحامين والمزارعين والتجار وجدوا أنفسهم خارج نطاق العمل والإنتاج، بعد أن تعطلت المحاكم والبنوك والدوائر الرسمية التي كانت تابعة للمركز ولم تُنشأ بدائل لها. كان بالإمكان تحويل ملفات القضاء إلى المحاكم المحلية، وتفعيل الإدارة المالية عبر البنوك الإقليمية، لتقليل البطالة وترسيخ الثقة في مؤسسات الإدارة الذاتية. لكن غياب الرؤية الحكومية جعل المشهد أقرب إلى إدارةٍ مؤقتة تنتظر تفعيل المركز، لا مشروع دولة، وهو ما يضعف شرعية الحوار مع الحكومة السورية الانتقالية، ويجعل المطالب الكوردية تبدو كأنها مطالب مناطق مهمشة، لا رؤية دولةٍ تسعى إلى نظامٍ فيدراليٍّ ديمقراطيٍّ متكامل.
إن بناء الدولة يتحقق بالمراكمة الهادئة للوعي المؤسساتي، وبالإيمان أن الدولة فعلُ بناءٍ طويل المدى، لا انفعالُ لحظةٍ تاريخية. فالتاريخ لا يرحم الثورات التي لم تُحسن إدارة انتصاراتها، والذاكرة لا تخلّد سوى من حوّل الحلم إلى بنيةٍ قائمةٍ تحكم وتُنظم وتُنتج.
العلاقة مع المركز، أي حاليا بالحكومة السورية الانتقالية، أيًّا كانت طبيعتها، ستبقى علاقةً متوترة بين الوعي بالذات والوعي بالآخر، لكنها، كلما قامت على منطق الدولة لا الحزب، وعلى القانون لا الشعارات، كلما أصبحت أكثر توازنًا واستقرارًا، فالمركز يخشى القوى التي تدير جغرافيتها على أسس الدولة وتعرف ماذا تريد، ويحترمها، لكنه يستهين بالحركات التي لا تعرف ما تريد، ويستغل تشتتها لصالحه.
لذلك، فإن التحول من منطق إدارة المنطقة بذهنية الحزب إلى منطق الدولة هو جوهر المرحلة المقبلة، الحزب يصنع خطابًا، أما الدولة فتصنع واقعًا؛ الحزب يخلق الانقسام، أما الدولة فتبني النظام؛ الحزب يسعى إلى الولاء، أما الدولة فتسعى إلى الكفاءة، ومن هنا يبدأ الاختبار الحقيقي للإدارة الذاتية، بل والحراك الكوردي بشكل عام، إن أرادت أن تكون فاعلًا في مستقبل سوريا، لا هامشًا يُدار بتفاهمات الآخرين.
إن بناء الدولة ليس فعلًا استفزازيًا كما يراه خصومنا، بل فعلُ وعيٍ وضرورةٍ إنسانية، فهو يتطلب نقد الذات قبل نقد الآخر، والقدرة على تجاوز الكراهية التي تُزرع في النفوس بوعيٍ أو بتخطيط. فالدولة لا تُبنى بالحقد، بل بالمنطق، ولا تنمو في الضجيج، بل في الوعي.
لقد أثبت التاريخ أن الأمم لا تُقاس بعدد معاركها، بل بقدرتها على تحويل الثورة إلى نظامٍ مستقرٍّ يعترف به العالم. وإذا كانت غربي كوردستان قد نالت اعترافًا معنويًا في الذاكرة الإنسانية، فإن التحدي اليوم هو أن تنال اعترافًا سياسيًا في وجدان سوريا والقوى الإقليمية المتربصة بالشعب الكوردي، ومن ثم في خرائط الدول، من خلال مؤسساتٍ تُدار بعقل الدولة لا بعاطفة الثورة.
فغربي كوردستان، بل ودولة كوردستان ليست فكرةً خيالية، بل مسؤولية فكرية وأخلاقية وسياسية، على كل كاتبٍ وسياسي ومثقفٍ عربي قبل كوردي أن يتحمل نصيبه منها، إنها ليست نداءً إلى الماضي، بل استدعاءٌ للمستقبل، حين يُدركون أن التحرر الحقيقي لا يكتمل إلا حين يصبحون قادرين على إدراك قيم الحرية، وإدارة ما حرروه.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
16/10/2025م


السيد د. محمود عباس.
تحية.
“الدولة الكوردية من الحلم الثوري إلى الوعي المؤسسي “.
الدولة الكُردية من الحلم الثوري إلى الوهم الكردستاني (خه يالي خاوي كورده واري).
محمد توفيق علي
بارك الله فيك، دكتور محمود عباس، فهل يسمع من به صمم؟
مقالتك ذات مستوى رفيع من حيث التحليل السياسي والفكري، وتعبّر عن نضج في الوعي القومي الكردي وتحول حكر الحركات الثورية الكردية ونتائجها من عائلات وعشائر ومن الشعارات الثورية إلى الفكر المؤسساتي للدولة.
انها بيان فكري تأسيسي لمشروع وطني كردي حديث يربط بين الواقع السوري، والتجربة الكردية، والمفاهيم الكونية ودعوة الى ثورة ثقافية لبناء الدولة الحديثة، ونداء من أوضاع انتقالية، من الثورة إلى الدولة، ومن الحزب والعائلات المهيمنة على الإدارات إلى المؤسسات، ومن الحلم إلى الواقع.
ان نداءك هو الأساس الخطاب السياسي الحديث الذي يحتاجه الكرد في سوريا والعراق، إذ يربط بين شرعية التحرر وشرعية الإدارة، لقد طرحتَ بجرأة لا يقبلها القيادات التقليدية للانتقال من منطق الولاء الحزبي للعائلة إلى منطق الكفاءة والمؤسسات، فتاريخ الشعب الكردي ملئ بقيام أمارات محتكرة من قبل عائلات في بقاع كردستان ولكنها لم ترق الى قيام دولة:
الأمارات الكردية: الأسماء، المواقع، وتواريخ تأسيسها:
1 الهذبانية الهدبانيون أربيل القرن 9م
2 الروادية أذربيجان – تبريز القرن 10م
3 الشدادية أرمينيا وأران القرن 10م
4 الهكارية الأناضول القرن 12م
5 بدليس الأناضول القرن 13م
6 أردلان سنندج القرن 14م
7 برادوست بين أورمية وراوندوز القرن 14م
8 بهدينان دهوك – عمادية القرن 14م
9 سوران راوندوز القرن 15م
10 موكرياني مهاباد القرن 15م
11 بابان السليمانية القرن 17م
12 بوتان الأناضول بوطان القرن 14م
13 مردين الأناضول مردين القرن 14م
14 شيروان دهوك القرن 15م
15 ديرسم ديرسم القرن 16م
16 سوران وان القرن 16م
17 بارزاني أربيل القرن 20م
18 طالباني سليمانية القرن 20م
أما الممالك الكردية، فهي لا تتعدّى أصابع اليد الواحدة:
1 مملكة كوتيون جبال زاغروس القرن 20 ق.م
2 مملكة ميتاني حسكة، نينوى, آمد القرن 15 ق.م
3 مملكة الحوريين جبال زاغروس إلى نهر الخابور القرن 25 ق.م
4 الإمبراطورية الميدية همدان الى آذربيجان 678 ق.م
واشهر ملوكها: كَيخسرو حيث يذكر اسمه الكرد في نشيدهم الوطني الحالي.
مقالتك سيدي دكتور محمود عباس، نموذجًا للوعي الكردي الجديد، إذ تستبدل الخطاب الثوري بخطاب بناء المؤسسات وتدعو لتحويل النصر العسكري إلى نصر سياسي ودستوري.
إنها دعوة لتحويل النضال العشائري والعائلي إلى ثورةٍ ثقافيةٍ كردية، وإلى نظامٍ مؤسساتيٍّ ديمقراطيٍّ يضمن الاعتراف الدولي.
شكرًا أخي أحمد موكرياني على مداخلتك القيّمة التي أغنت الفكرة ومنحتها بعدًا أعمق.
نعم، نحن في مرحلة مصيرية؛ فإذا لم ننتقل إلى مرحلة بناء الدولة بكل أبعادها السياسية والاقتصادية والمؤسساتية، وهي الخطوة التي كان ينبغي أن تتم قبل عقود، فإننا سنفقد ما تحقق بفضل تضحيات الشهداء أولًا، وبدعم القوى الكبرى ثانيًا.
خالص مودّتي وتقديري.
** من ألأخر {١: كل ما ذكرته صحيح ومطلوب ، ولكن أسس قيام أي دولة تبقى ثلاث وهى (الحرية والعدالة والمواطنة)؟ ٢: حتى وإن قامت على القوة فقيامها يبقى رهين الساعة ، بدليل خراب ودمار وتعاسة أوطاننا لغيابها ، سلام؟
السيد أحمد موكرياني المحترم.
تحية.
أثنّي شكر الكاتب لك أعلاه.
للاطلاع:
“16 سوران وان القرن 16م”
شيخ محمود الحفيد سليمانية القرن 20م
“17 بارزاني أربيل القرن 20م”
“18 طالباني سليمانية القرن 20م”
محمد توفيق علي