صدقُ و نجاحُ السياسي في إخلاصه- مصطفى عبد الوهاب العيسى

 

 

عند البحث في مفهوم السياسة نجد أنها لغوياً تأتي من الفعل ساس أو سوس أي القيام بأمور المجتمع ، أما تعاريف و شرح السياسة فهو ما كُتب فيه من المؤلفات الكثير ، ولا بُد لكل باحثٍ أو كاتبٍ أو سياسي أن يتوصل بنفسه لتعريف يعبر عنه و يؤمن به .

السياسة برأيي صدقٌ و ثباتٌ و إخلاصٌ لفكرة ، و لها قيمٌ و مبادئ ، ولاءٌ ووفاء ، كرمٌ وتضحية ، والسياسة مخافة من الله و محبة مكتسبة من الشعب ، و أما ما دون ذلك فهو ارتزاقٌ وليس سياسة .

يقول الإمام الشافعي : لأن أرتزق بالرقص خير من أرتزق بالدين ، وأقول لمعظم السياسيين اليوم بأنهم لو ارتزقوا بالرقص لكان خيراً لهم من ارتزاقهم بالسياسة !

إن الفساد السياسي ( المالي والتنظيمي و الإداري ) في سوريا عامة و عند الحركة الكردية في سوريا خاصة قديم ، ولا ينكره إلا جاهل بالتاريخ السياسي ، ولكن هذا الفساد لم يكن قد وصل إلى هذا الحد الذي نراه اليوم ، ولم تكن رائحته قد فاحت بهذا الشكل .

إن أسوأ ما حصل للحركة الكردية في سوريا هو ممارسة بعض الأشخاص فيها للسياسة دون ثقافة كافية و دون روادع أو ثوابت أخلاقية .

امتهن و يمتهن اليوم بعض الكرد السياسة وهم لا يفقهون فيها سوى ما سمعوه عن الميكافيلية السياسية ، وأراهن حتى بأنهم لم يقرأوا عنها ، وإنما تم غسيل أدمغتهم بها و بفكرة ان السياسة خيانة و دعارة و كذب و ارتزاق .

إن العملة النادرة اليوم هي السياسي الصادق والمخلص لشعبه وقضيته قبل أي شيء آخر ، و هذا ما يدعونا للحديث عن العملة النادرة في السياسة الكردية : المخلص عبد الحميد درويش .

رأى السوريون عامة والكرد خاصة بأن الأستاذ عبد الحميد درويش ما سعى لمصلحة خاصة ولا إلى المحاصصات الحزبية المضحكة التي تدعو للخجل ، و ما رأى مثل الكثيرين بأن القضية كعكة يتم تقاسمها ، و نعلم جيداً بأنه لو أراد ذلك فإن القوى الفاعلة سترضيه ، فهو ليس بحزب صغير أو حديث ، وليس رقماً سهلاً في معادلة الأحزاب الكردية ، بل إنه كثيراً ما دفع بغيره في المقدمة إذا كانت المصلحة العامة تقتضي ذلك دون الاكتراث بمصالح شخصية .

أكد عبد الحميد درويش صدقه عن طريق التضحية ونكران الذات الحزبية في سبيل قضية شعبه و ترتيب البيت السياسي الكردي ، و كانت رؤيته السياسية النابعة عن تجربة كبيرة تتلخص بأن صفاء النية والقلب والصدق في القول والعمل هو أفضل منهج سياسي يمكن الاعتماد عليه بعيداً عما يسمى فنون سياسية و هي مجرد شرعنة لأساليب الاحتيال والخداع .

تقول السيدة سينم بدرخان : ” حميد درويش مناضل مستقيم لا يعرف اللف والدوران ، و هو صادق و وفي و مخلص ، و بقي ثابتاً رغم كل الصعاب التي رافقت مسيرته ” .

أقام عبد الحميد درويش علاقات وثيقة مع الكرد خارج سوريا ، و سعى لتمتين العلاقات الأخوية معهم دون أن يكون لهم الحق في تقرير مصير المسائل الكردية أو كيف يكون حلها في سوريا ، و رفع و خفض سوية خطابه السياسي بإخلاص ، فكان الوقائي تارة ، و المدافع بشراسة تارة أخرى ، و ذلك لنيل الممكن المتاح من مطالب عادلة دون المساس بالمبادئ والثوابت .

راكم عبد الحميد درويش الحقائق في كل المجالات ، ولم يغفل عن صغيرة أو كبيرة قدر الإمكان في كشف الحقائق المطموسة ، وأعني السعي بخطين متوازيين ثقافياً و سياسياً ، و شدد على أن الحوار هو المدخل والمخرج لكل الملفات السورية ، وأنه لا بد أن يكون للكرد دور في الملفات الغير كردية وأن لا تبقى مشاركاتهم محصورة في الشأن الكردي ، بل على الساحة السورية عموماً ( وهو ما نلحظ تناقصه تدريجياً ) .

عانى الأستاذ عبد الحميد درويش كثيراً في مسيرته ( كسياسي و كحزب ) من معظم الأطراف السياسية في سوريا ، وفي الحقيقة لا عتب على المتشددين والمتعصبين من حملة الفكر القومي العربي أو الكرد الشيوعيين الذين كانوا ينعتونه و ينعتون رفاقه في التقدمي بصفات “القومجية والانعزالية” إذا ما علمنا بأن أحزاباً كردية كانت تحاربه و حاولت كثيراً التخلص من هذا الخصم العنيد ، بل و حاربته أيضاً في الماضي أطراف كردية دينية ، وحتى البرجوازية الكردية التي إن لم نُرد القول بأنها حاربته فهي لم تحتضنه ولم تؤازره على أقل تقدير .

علم الأستاذ عبد الحميد درويش كيف يبقى مخلصاً لمبادئه ، وهو يجاري سياسات العصا والجزرة ، و كان مدركاً لحقيقة أن من يأكل خبز السلطان لا بد أن يضرب بسيفه ، و هو ماجعله يرفض الكثير من العروض التي قُدمت بشكل مباشر او غير مباشر .

حافظ عبد الحميد درويش على استقلالية الشخصية الكردية السورية ، ولم يقبل الارتهان لقرارات وتحالفات الغير ، ووقف بوجه من ادعوا التقدمية وهم المثال الحي للرجعية المتعفنة ، و تميز بمرونته السياسية الصادقة التي وازن بها لحد كبير بين معظم الفرق الكردية و كسب بها الشعب الكردي ، واستطاع أيضاً استقطاب الكثير من العرب ، و حاز على ثقة المسيحيين ، وحتى مع الدولة السورية كان لديه كما يقال شعرة معاوية لأن جميع  الأطراف في سوريا تعلم صدقه وشفافيته وهنا أذكر ما قاله فيصل يوسف ( الأمين العام للحزب الشيوعي السوري سابقاً ) : ” عبد الحميد درويش استطاع أن يجمع المعارضة والموالاة في ميلاد حزبه ، و هذا عمل كبير تعجز عنه كل القوى الوطنية في سوريا مع الأسف ” .

صور لنا عبد الحميد درويش الوفاء اللا محدود بأجمل صورة عندما كان يقابل الخيانة بالإخلاص ، وصدقه وشفافيته خلقا له مع المحيط أصدقاء حقيقيين رغم التناقضات فيما بينهم والاختلاف أحياناً في الرؤى والتوجهات ، و زاد من قناعتنا بأن الشجاعة مصدرها النزاهة والصدق وأن الصالح العام وكسب الرأي العام أهم بكثير حتى لو اقترفنا أخطاء سياسية سنعاني على الصعيد الشخصي بسببها .

ضحى وتنازل عبد الحميد درويش يقيناً بأن تضحياته لشعبه ستؤتي ثمارها في المستقبل ، و في ذلك يقول المعارض السوري ميشيل كيلو : ” إن ما فعله عبد الحميد درويش لأبناء وطنه السوري سيأتي أُكله و سيكون أحد أحجار زاوية المستقبل ” .

إن الصدق والإخلاص في السياسة ساعدا عبد الحميد درويش بتشكيل حزب بدأ بثلاثة أشخاص و وصل اليوم ليكون حزباً يضم الآلاف في صفوفه رغم الانشقاقات الكثيرة التي تعرض خلال ما يقارب السبعة عقود .

لم يكترث عبد الحميد درويش للموانع والعوائق الكثيرة التي تقف دون تحقيق أحلامه وأمانيه لأنه كان مخلصاً وصادقاً بسياساته ، ولذلك أصر على المثابرة والاجتهاد اللذان كانا سر نجاحه مع العوامل الأخرى كتحليه بالمعرفة المكتسبة من خبرات الحياة و عقليته الفذة في التعامل مع المشاكل ، وليس أدل على نجاخه شيء مثل كثرة الخصوم والأعداء الذين كانت سياسات بعضهم أشبه بمنطق ذاك الذي يرى أن السياحة مقتصرة على الخمارات والمراقص الليلية .

صنع عبد الحميد درويش فارقاً حقيقياً في الحركة السياسية الكردية في سوريا ، بل سأذهب بأبعد من ذلك وأقول بأنه إذا ما كان لهذه الحركة مستقبل جيد في يوم من الأيام فإن له الفضل الكبير بذلك ، و حفز الكثير من الشباب الوطني ( عرباً و كرداً و سرياناً وو .. الخ ) على اتباع مثله وقيمه الإنسانية في السياسة ، و نشر وعزز ضرورة أن يكون السياسي صادقاً مع نفسه وشعبه ووطنه ، وأن يتمسك بالمبادئ ويتعلم عدم التنازل عنها أمام أكبر التحديات قبل الدخول في عالم السياسة المليء بالقذارة أحياناً .

إن أول ما يتبادر إلى ذهن الغير مهتمين في السياسة الكردية والأحزاب الكردية عند ذكر كلمة حزب كردي أو سياسة كردية هو اسم عبد الحميد درويش ، بل و حتى فترة ليست بالبعيدة جداً كان يطلق على حزبه اسم ( بارتي سوريا ) من البعض و (يكيتي سوريا) من البعض الآخر ، و ما يدعو للضحك هو ان ترى بعضهم يعتبرونه ممثلاً للبارتي والبعض الآخر يراه ممثلاً لليكيتي ، والفكرة هنا أن صدق عبد الحميد درويش هو ما خلق له هذا الاسم الناجح الذي يفخر به كل كردي مخلص لقضاياه .

صدقه وإخلاصه جعلاه عرضة للانتقاد في بعض الأوساط الكردية المتعصبة ، لكنه بقي صادقاً و صريحاً في جميع الأحوال ، واستطاع خلال عقود طويلة أن يساهم في إيجاد دور للكرد السوريين في الساحة السياسية السورية ، وعلى صعيد الساحة الكردية والمنطقة أيضاً ، وخفف بحنكته و ذكائه الكثير من الضغوط والاتهامات الجائرة بحق الكرد ، و وقف بحزم وثبات في وجه جماعات الضغط واللوبيات ( حتى اللوبيات الكردية ) .

هنيئاً له بأن بقيت أفكاره حية بلا قيد بعد وفاته ، و دوره لن يُنسى كشخصية مستقيمة تحمل مبادئ سامية و قيم راقية ، وخلفت فراغاً كبيراً في الحركة الكردية السورية .

كان شخصية غنية بالتجارب سياسياً و دبلوماسياً و اجتماعياً والأكثر إبداعاً و تألقاً في الحركة الكردية السورية ، و كان بحق قائداً للحركة الوطنية التقدمية الكردية في سوريا كما وصفه البروفسور عز الدين مصطفى رسول