انسحابٌ تكتيكي أم بدايةُ عهدٍ جديد؟- (فرست عبدالرحمن مصطفى)

 

في خطوة تحمل دلالات سياسية عميقة، أعلنت حركة حرية كوردستان انسحاب قسم من قواتها من شمال كوردستان إلى مناطق جبل قنديل، مؤكدةً أن هذه الخطوة تأتي في إطار التزامها بالسلام وبالعملية الديمقراطية كخيارٍ استراتيجي بديل عن الصراع المسلح.

 

من الناحية الميدانية، قد يبدو هذا الانسحاب تحركاً محدوداً في الجغرافيا، لكنه في الواقع تحول نوعي في منهج الحركة وخطابها السياسي. فبعد سنواتٍ من العمل العسكري والمواجهة الميدانية، تسعى الحركة اليوم إلى إعادة تعريف دورها في المرحلة الجديدة، عبر الانتقال من منطق المقاومة المسلحة إلى منطق المشاركة السياسية، وهو ما يعكس نضجاً في قراءة المتغيرات الإقليمية والدولية المحيطة بالقضية الكوردية.

 

الرسالة الأساسية في هذا التحول هي أن القضية الكوردية لم تعد تبحث عن صوتٍ أعلى، بل عن صوتٍ أكثر تأثيراً في الميدان السياسي. فبعد عقودٍ من الاعتماد على الكفاح المسلح كوسيلة لفرض الاعتراف بالحقوق القومية، بات واضحاً أن السياق الإقليمي لم يعد يسمح باستمرار هذا النمط من الصراع، خاصة مع تزايد الضغوط الدولية والإقليمية نحو تسوية النزاعات الداخلية بالوسائل السلمية.

 

كما أن الحركة تُدرك أن الحفاظ على شرعية قضيتها يتطلب تحويل القوة الميدانية إلى رصيد سياسي يمكن توظيفه في المفاوضات المستقبلية، لا أن يبقى عالقاً في دائرة الاستنزاف المستمر. ومن هنا يأتي الانسحاب كجزء من إعادة تموضع استراتيجي يهدف إلى الحفاظ على الوحدة الداخلية للحركة وفتح الباب أمام خياراتٍ سياسية أكثر مرونة.
على المستوى الداخلي، يشكل هذا الموقف اختباراً لمدى قدرة الحركة على إقناع قواعدها العسكرية والشعبية بأن مسار السلام لا يتناقض مع روح النضال، بل يمثل امتداداً له بوسائل مختلفة. فالمقاتل الذي يضع سلاحه اليوم لا يتخلى عن القضية، بل يغيّر أدوات الدفاع عنها في سياقٍ أكثر نضجاً ومسؤولية.

 

أما على المستوى الإقليمي، فإن الخطوة تمثل إشارة إيجابية إلى الحكومة التركية وإلى القوى الدولية بأن التيار الكوردي المؤمن بالحل السياسي ما زال قائماً وقادراً على تقديم مبادرات عملية لخفض التوتر وتهيئة الأرضية لحوارٍ شامل. لكن نجاح هذه المبادرة يبقى مرهوناً بمدى تجاوب أنقرة واستعدادها للتعامل مع الملف الكوردي بعقليةٍ سياسية لا أمنية.

 

في المحصلة، يمكن قراءة الانسحاب من شمال كوردستان إلى قنديل بوصفه تعبيراً عن التزامٍ استراتيجي بخيار السلام، ورسالة بأن الكفاح الكوردي يدخل مرحلة جديدة قوامها الوعي السياسي، والمشاركة الديمقراطية، وإعادة تعريف مفهوم النضال الوطني بعيداً عن منطق السلاح.

 

فقد أثبتت التجارب أن التحول من المقاومة المسلحة إلى العمل السياسي المنظم ليس تراجعاً، بل تطوراً في مسار الحركة القومية الكوردية نحو بناء مشروعٍ وطني مستدام، يستند إلى مؤسساتٍ سياسية لا إلى جبهاتٍ عسكرية.