شعارات ثم شعارات ثم شعارات … وراءها الحكومات والاحزاب وشخصيات سياسية مرموقة … ويبقى الفيلي في تيه وحيرة من أمره … لا حقوق في استرداد حقوقه المغتصبة ليبقى قانون الجنسية بعيدا عن المعايير الحضارية، ولا اعادة لمستمسكاتهم الثبوتية في إعادة املاكهم المغتصبة لتضحى حقوق الفيلي المدنية ابطالا لمسرح المماطلة والتسويف أو التمثيل على صعيد رد الاعتبار السياسي والاجتماعي وعلى خلفية الإبادة الجماعية جراء اعتقال واعدام ابناءهم وتهميشهم وظيفيا وتهجيرهم خارج الوطن. مسرحية أشبعت البطون وهي خالية.
كما أنهم (الحكومة والاحزاب والشخصيات الفيلية التي تدعي تمثيلهم للفيليين وعن الدفاع عن حقوقهم) فقدوا البوصلة الاجتماعية تماما عند الحديث عن تعويضهم المادي والمعنوي جراء التسفيرات اللاشرعية بحقهم او ايجاد المفقودين من ابنائهم (اعدم صدام حسين ستا من اشقاء كاتب المقال ولا يزالون في خانة المفقودين في المقابر الجماعية). ولا يزالون الكورد الفيليون المهجرون في انتظار صحوة ضميرهم في تحقيق حلم العودة الى أرض الوطن.
الى ذلك، نجد أن العهد الجديد لم يكن جادا في تبني قرارات لإدانة مرتكبي الجرائم بحق الفيليين مثلما تم في محاكمات الانفال وحلبجة وديالى وغيرها. فالمحكمة الجنائية العليا الخاصة ورغم كمال القرائن بادانة جلادي الشعب، اكتفت باحالة المتهمين وفق المادة (12) من قانون المحكمة الجنائية العليا الخاصة والتي تخص الجرائم ضد الانسانية بدلا عن المادة 11 المستندة الى الاتفاقية الدولية الخاصة بمنع جريمة الابادة الجماعية المؤرخة في 9/12/1948 الصادرة عن الامم المتحدة وفق اتفاقية روما والملزمة للعراق كونه مصادقاً على الاتفاقية بتاريخ 20/1/1959 والتي يعترف العراق بالتزامه بها حتى الان وهي مثبته في قانون المحكمة الجنائية العليا الخاصة التي تجري المحاكمات بموجبه والمصادق عليه بتاريخ 9/10/2005 والموقع من قبل رئيس الجمهورية المغفور جلال الطالباني ونائبيه كل من عادل عبد المهدي وغازي عجيل الياور حينه. وللضرورة نذكر المواطن بمضامين المادة (11) من الجزء الاول من الفصل الثاني من قانون المحكمة الجنائية العراقية العليا المتعلقة بجرائم الإبادة الجماعية والتي تنص أولاً على:
ا- قتل افراد من الجماعة.
ب- الحاق ضرر جسدي او عقلي جسيم بافراد من الجماعة.
ج- اخضاع الجماعة عمدا لاحوال معيشية يقصد بها اهلاكها الفعلي كليا او جزئيا.
د- فرض تدابير تستهدف منع الانجاب داخل الجماعة.
هـ- نقل اطفال من الجماعة عنوة الى جماعة اخرى.
ثانيا – توجب الاعمال التالية ان يعاقب عليها:
ا- الابادة الجماعية.
ب- التامر لارتكاب الابادة الجماعية.
ج- التحريض المباشر والعلني على ارتكاب الابادة الجماعية.
د- محاولة ارتكاب الابادة الجماعية.
هـ- الاشتراك في الابادة الجماعية.
لسنا هنا بصدد سرد المبررات لحنث هذه الكتل والاحزاب الوطنية والإسلامية والشخصيات الفيلية بالوعود التي الزمت نفسها (والتي تتكرر عشية كل اتخابات نيابية) بتحقيقها قبل وبعد السقوط، بل للتأكيد على جانب هو الأكثر اهمية، جانب يتعلق بمصداقية تمسكها بالثوابت الوطنية وشعاراتها الإسلامية واهدافها السياسية النضالية، ومتبنياتها في قيام دولة العدالة والمساواة، والسير بالبلاد صوب تنمية مستدامة وحياة حرة كريمة.
وكما يعلم الجميع، أن هذه الكتل والاحزاب، التي تمثل اوسع الجماهير، قد عانت الأمرين والويلات بدرجة لم تقل او تزيد عما عانتها شريحة الفيليين، الذين قدموا كل انواع التضحية كي يحصل التغيير السياسي، ومساهمتهم الفعلية الجادة في تأسيس مرحلة تاريخية مصيرية من نضال القوى الوطنية لتسهيل مهمة انتقال السلطة الى قياداتها، وتمكين مكونات الشعب من التعبير عن ذاتها واستعادة ما يفتقدون اليها من الحريات والحقوق المغتصبة من قبل النظام البائد. وعندما نتكلم عن ثوابت هذه الكتل والأحزاب، فاننا نتكلم ايضا عن المسلمات من مواقفها الوطنية المتعلقة برفع الحيف عن ضحايا النظام الطاغوتي وتقديم البديل الإنساني، وعن مصداقية اعترافها بالقوانين والعهود والمواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان وتطبيق مضامين مفهوم العدالة والمساواة بين المواطنين ورد الاعتبار السياسي والاقتصادي لمتضرري العهد البائد.
وعند دراسة مواقف هذه الكتل والشخصيات الكوردية من مظلومية الكورد الفيلية طيلة سنوات التغيير، واهمالهم في ايجاد آلية قانونية لاتقبل التأويل والتسويف والمماطلة، وعند متابعة الوضع المأساوي الذي يعيشه الكوردي الفيلي في عهد الحريات والمساواة والتعددية، نجد، وللأسف، ان ذات المعاناة وذات التهميش هو السمة البارزة للسلوك الرسمي للعهد الجديد القريب الى سلوكيات العهد الطاغوتي، وأن تقديم الوعود من دون ارادة سياسية، وحنث هذه الكتل والاحزاب السلطوية بها لدليل ملموس على العجز التام لإداراتها الوظيفية في تنفيذ قراراتها المصيرية، وعجزها عن هضم مدلولات ومفاهيم ومضامين الحياة الحضارية المدنية، وانها وبطروحاتها ومتبيناتها السياسية والاجتماعية، وقلة الخبرة في ادارة شؤون المجتمع، وفقدانها للحنكة السياسية، ونظرتها المؤدلجة للتحديث والتجديد، وعدم اعترافها بحقوق كل من لايصطف الى اجندتها السياسية، كل هذه المحددات، وبالذات تلك المتعلقة بغياب الإرادة السياسية وغيرها من السمات السياسية السلبية لهذه الكتل والاحزاب المهيمنة على السلطة، تجعل من المأساة الفيلية في خبر كان.
كما ان ضعف الإداء السياسي لمنظمات المجتمع المدني وتخلفها في الدفاع عن حقوق الفيليين المغتصبة، والتشرذم السياسي لأطراف الشريحة الفيلية ذاتها (سبق لكاتب المقالة أن طالب بتأسيس حزب سياسي مستقل للكورد الفيلية وذلك عشية مؤتمر لندن للمعارضة نهاية عام 2002 وقوبل بالرفض من قبل الكتل السياسية المعارضة حينها)، والفساد الإداري والمالي وتبوء عناصر ضد العملية السياسية مراكز حساسة في جسم الدولة هي من العوامل المضافة والتي تقف حائلا امام ايجاد آليات فاعلة لاسترداد الفيلية حقوقهم المدنية المغتصبة.
من جانب آخر علينا الاعتراف بأن المهام الوطنية الملقاة على عاتق القيادات الوطنية القومية الإسلامية، وحساسية المرحلة سياسيا، وغير ذلك من قضايا تتعلق بالتربص الشرس من قبل اعداء التغيير وإثارتها للفتنة المذهبية والطائفية ودعمها اللامحدود للقوى الظلامية في خلق حالة من التوتر والبلبة في البلاد ومساعدة الأرهابيين للحيلولة دون قيام حالة استقرار أمني ينتج مناخا ملائما للبدء بعمليات التنمية والتطور الاقتصادي والاجتماعي في البلاد، وقد يكون لمثل واقع الحال هذا والذي يعيشه عراق اليوم قد دفع بالحكومة الى تبني سياسات تبتعد بدرجة او بأخرى عن تقديم ما يمكن تقديمه لحل قضية الفيليين. ولكن، وفي المقابل، يمكن القول أن ماذكرناه من تبريرات موضوعية وغير موضوعية حالت دون استرداد الفيليين حقوقهم المغتصبة لايمنع من وضع سياسات ثابتة من شأنها المساعدة على رفع الحيف الكبير الذي لحق بالمواطنيين العراقيين من الشريحة الفيلية، وأن تطبيق وتفعيل الأجراءات المتعلقة باسترداد حقوق الفيليين (إن كانت موجودة) وتنظيف دوائر الدولة المدنية من العناصر التي تقف حائلا دون تحقيق الأهداف التي وجدت من اجلها هذه الآليات ووجود الإرادة السياسية (وهي مطلوبة) لمساعدة الفيليين وطموحهم في حياة كريمة وتعوضهم عن المظالم التي لحقت بهم، لكفيل بالقضاء على واحدة من اهم اشكاليات الحياة الاجتماعية، بل سيكون من شأن ذلك ترصين وترسيخ الوحدة الوطنية، وعاملا مضافا لصالح انجاح العملية السياسية، ومساهمة جادة في دعم الحكومة لتنفيذ مهامها الوطنية الآخرى.
واليوم وغدا، بعيدا عن شعارات فاقدة الاثر، سوف لن يسكت الفيلي عن بقاء حقوقه المدنية المشروعة رهينة الأدراج السياسية. كما نطالب الحكومة والقوى الوطنية والإسلامية الحاكمة الى بلورة
اجراءاتها المتعلقة برفع الحيف عن الكورد الفيلية وجعلها قوانين ثابتة خاضعة للتنفيذ الفعلي كباقي قوانين الدولة، ويجب ان يأتي قانون منح الجنسية للكورد الفيلية واسترداد املالكهم في مقدمة هذه
القوانين مع الغاء تام وشامل لكل القوانين والقرارات والإجراءات التي صدرت عن النظام الطاغوتي والتي أدت إلى مصادرة حقوق الكورد الفيليين في المواطنة الحقة أو تلك التي ادت الى مصادرة
جنسيتهم العراقية وأموالهم المنقولة وغير المنقولة. اما توصياتنا الهامة للفيلية فهي:
– على الشخصيات الفيلية وكتلهم واحزابهم السياسية ان يعملوا على انشاء تجمع فيلي مشترك بعيدا عن التشتت والفرقة والتنافس على المقاعد البرلمانية وليكن صوت الفيلي صوتا واحدا في كل بقعة يوجد عليها الكوردي الفيلي.
– العمل من خلال هذا التجمع الفيلي المشترك على ان لايقل عدد المقاعد البرلمانية (الكوتة) للكورد الفيلية عن خمسة مقاعد برلمانية.
– الاندماج سياسيا بالكتل الكوردستانية بالتمام والكمال شريطة ان يكون للفيليين خمسة مقاعد في البرلمان الاتحادي ومثله في الاقليم.- الاندماج سياسيا بالكتل الشيعية (الاطار التنسيقي) بنفس الشروط اعلاه.

