سوريا بين فتوحات الأمس وفتاوى الجهاديين – بقلم : محمد ديب أحمد

لا شيء يبعث على الضحك المرّ في هذا الشرق أكثر من تلك القدرة الخارقة على إعادة تدوير الأكاذيب التاريخية:

يسمّونها فتوحات !

وكأنّ الشعوب كانت تقف على أبواب المدن تتسوّل من الغازي الكريم حصّتها من الإبادة ،
وشيئاً من السبي ،
واليوم ، بعد ألف عام من تلك الفتوحات ، ما زلنا نعيش على بقايا رواياتٌ كتبها من لم يعرف الحقيقة ،
ورَوّج لها من أحبّ الوهم ،
وتمسّك بها من لم يختبر طعم الحرية يوماً .

ومن رحم هذا التاريخ المشوّه خرجت لنا نسخة محدثة وإصدار جديد بعنوان :

الجولاني … رئيسٌ مؤقّت لدمشق ،
ثابتٌ على كرسيه ،
متحوّلٌ في كل ما عداه .

إعلامٌ يطبّل ،
ومريدون يصفّقون ،
وآلة دعائية لا تتوقف عن إقناع الناس بأن المستقبل يُصنع بالخطابات وحدها .

وها هو القائد يمارس فنّ التقارب السياسي
إرسال رسائل غزل إلى تل أبيب ،
وطمأنة إلى واشنطن ،
ومودة إلى الجيران ،
والأهم  :
رسائل استعلاء إلى الداخل .

وحَسنٌ أن نرحّب بالسلام  لا أحد يرفضه ،
لكن ماذا عن سوريا نفسها ؟
عن فسيفسائها الحقيقي :
الكرد ، الآشوريون ، السريان ، العلويون ، الدروز ، الأرمن ، العرب …
عن أولئك الذين دفعوا ثمن هذه الحرب من لحمهم وأحلامهم ؟

أليس من البديهي أن تتصالح هذه السلطة مع الداخل قبل توزيع الوعود مع الخارج ؟

والأدهى ان الخطاب الطائفي ما زال يتدحرج من شفاه السلطة وإعلامها  كأنه قَدَرٌ لا فكاك منه :
سوريا العربية السنيّة الصفوية الأموية  …

هزلتم ثم هزلتم وهزلتم
هذه عبارة مقزّزة وتُلغي نصف الشعب بكلمة واحدة .
ثم ماذا قدّمت هذه السلطة للساحل ؟
وماذا أنجزت للجنوب ؟
وأي اتفاقية التزمت بها قبل أن تتحوّل إلى غبار سياسي ؟

وماذا قدمت للمكونات ، القضية الكردية و العمود الفقري الذي يتظاهرون أنهم لا يرونه ولا يقرون به  فهو بيت ُ القصيد !

سيداتي سادتي :
الكرد هم الحدث الدائم الذي تُصرّ السلطة على التعامل معه وكأنه هامش يمكن  شطبه .
شعب دافع عن الأرض عندما انهارت الجبهات ،
وحمل السلاح حين فرّ الآخرون ،
وصمد أمام داعش حين تهاوى الجميع .
وفتح أبوابه لكل من هرب من الموت ،
وطالب بدولة ديمقراطية لكل السوريين — لا للأكراد فقط .
ومع ذلك يُكافأ اليوم بالتجاهل ،
وبخطابٍ عروبيٍّ عنصريٍّ مقيت .

أي دستور هذا الذي لا يعترف بتضحيات الكرد ؟
وأي وطن يريد أن يتجدّد بينما يُعرِّف نفسه باسم قديم :
الجمهورية العربية السورية ؟
طيب وأنا الكردي ، ما الذي يربطني بهذه الصبغة التي لا تمتّ لي بصلة ؟
كيف يتحدث الدستور عن المواطنة بينما يضع هوية قومية فوق هوية الشعب ؟
ولماذا لا تكون : الجمهورية السورية ،
جمهورية تحتضن الجميع بلا تمييز ،
وتقطع يد كل خطاب يرى الوطن بلون واحد ، ودين واحد ، ولسان واحد .

الكرد  شركاء حقيقيين على هذه الأرض   ،
وهؤلاء يتصرّفون وكأن الكُرد زوّار طارئون  ! …

المهزلة أن هذه السلطة تحكم بقانون لم يُكتب … وشعب يُحاكم بقانون لم يقرأه أحد ، ثم يأتي من يقول بلا خجل :
رئيس سوريا يجب أن يكون مسلماً سنّياً ،

وماذا عن بقية المكونات ؟
هل هم مواطنون على الهامش ؟

الوطن الذي يُبنى على شرطٍ طائفي
هو وطن ساقط بالتأسيس .
والوطن الذي يُدار بعصا العِرق والدين هو وطن فقد بوصلته القانونية والاخلاقية
سوريا التي نريدها ليست ولاية ، ولا إمارة …
سوريا التي نريدها جمهورية للإنسان :
لا عربية ، ولا سنية ، ولا أموية ،
ولا كردية وحدها .
بل وطن يتّسع للجميع ،
ويصون الجميع ، ويعترف بالجميع  ،
أما الجولاني ومن قبله ومن بعده …
فهم مجرد تفاصيل في مرحلة عابرة .
بينما الشعوب  وعلى رأسهم الكرد الذين صمدوا حين لم يصمد أحد
هم من سيكتبون الفصل الأخير …

فصلاً لن يشبه ما يريده الطائفيون ،
ولا ما يطبخه الإعلام المؤدلج ،
ولا ما تحلم به السلطات المؤقتة .

الأوطان تبقى …
والغُثاء يبقى غُثاءً  .

3 Comments on “سوريا بين فتوحات الأمس وفتاوى الجهاديين – بقلم : محمد ديب أحمد”

  1. ** من ألأخر {١:عزيزي العلة ليست فقط في الغزاة الذين يسمونها فتوحات بل في القوميات المحتلة الذين يسمونها كذالك ويقبلونها؟ ٢: هل خرج يوما مواطني سوريا أو مصر ضد تسمية العربية مادامت دولهم مغزية وغير عربية؟ ٣: حتى متى يبقون ليس مسالمين فقط بل عشاق لجلاديهم ومدافعين عنهم؟ ٤: حقيقة مؤلمة وصادقة تقول أن من تعودو على الذل والعبودية صعب عليهم العيش في الحرية والديمقراطية ، ولهذا تراهم يعشوق دين غزاتهم وجلاديهم وهى كارثة الكوارث خاصة مع ألاسف في أمة الكورد ، أليس أحد أبرز مساعدي الغازي الجديد لسوريا الجولاني ارهابي كوردي مسلم سني ، سلام ؟

  2. السيد محمد ديب أحمد المحترم.
    تحية.
    أحسنت اختيار الموضوع وأبدعت في التعبير عنه بالتحليل الموضوعي والواقعي.
    للاطلاع:
    “ولماذا لا تكون : الجمهورية السورية ،”.
    ولماذا لا تكون : جمهورية سوريا الشعبية؟
    “الكرد شركاء حقيقيين على هذه الأرض ،”.
    الكرد شركاء حقيقيون على هذه الأرض ،

    محمد توفيق علي

Comments are closed.