في قلب الجبال التي لا تُسبر أغوارها، حيث يتشابك نسيج الأرض مع نسيج الروح، وحيث تُنسج الحكايات على حواف الوديان قبل أن تُكتب على صفحات الكتب، هناك تنبض حياة مختلفة. ليست مجرد تنوّع عرقي أو لغوي، بل وعيٌ جماعي عميق، نبضه ليس في القلوب فحسب، بل في تراب التلال، وفي همس النسيم بين الصخور المتشققة. هناك، حيث لا تصل أصوات المدن إلا كشائعات بعيدة، يعيش شعبٌ لم تُطفئ السنون لهيب تماسكه، ولم تُضعف السياسات من سطوع بصمته.
الدولة، بمؤسساتها الوافدة من الغرب البعيد، تظهر كظلٍ غريب يتحرك فوق هذه الأراضي، لا يلامسها حقًا، بل يمرّ من خلالها وكأنها أرضٌ بلا أصحاب. موظفوها، وضباطها، ومعلموها، يقيمون في مدنهم الجديدة، خلف أسوار المدارس الرسمية ونادي الضباط، يتحدثون لغةً لا يفهمها الأطفال في الصفوف الأمامية، ويقرؤون قوانين لا تعني شيئًا في قرى تُحكمها العادات والعشائر والأولياء. إنها إدارةٌ تشبه الاستعمار في هيكلها، وإن لم تكن استعماراً بالاسم؛ فهي تُدير المنطقة كما لو كانت مستعمرة داخل الوطن، تُفرض عليها وحدة لا تُشعر بها، وتُطالبها بالاندماج في هوية لا تُنتمي إليها.
لكن في هذا السياق، لا تختنق الروح. بل تتجلى في الانتخاب، لا كممارسة ديمقراطية بحتة، بل كفنٍ من فنون البقاء. فالناخب الكوردي لا يختار حزبًا أيديولوجيًا، بل يُفاوض الواقع بذكاءٍ تاريخي. يوزّع صوته بين الأحزاب، لا انقسامًا، بل توازنًا. يستخدم الحزب المركزي كدرع، والحزب البراغماتي كوسيلة، ولا يُسلم نفسه لأحد تمامًا. إنه لا يبحث عن سلطة، بل عن وجود. وجودٌ يُرفض أن يُمحى تحت ركام «التتريك»، أو أن يُختزل في مشاركة انتخابية لا تعكس حقيقته.
وتكشف لنا إحدى المدن الحدودية، حيث تلتقي العربية بالكوردية كنهرٍ يتدفق في وادٍ قديم، نموذجًا أعمق للتداخل الإنساني؛ ففيها تختلط الأغلبية السكانية العربية بالريف الكوردي المحيط، والذاكرة بالأمل، فيصير المرشح نفسه شخصيتين: واحدة هنا، وأخرى هناك. يقدم نفسه عربيًا في السوق، وكورديًا في البرلمان، أو يُخفى أصله ليكسب الثقة، بينما يُصرّ آخرون على إظهاره ليؤكدوا أن الانتماء لا يُستورد. كل ذلك يكشف عن مشهدٍ سياسي ليس من وضع الدولة، بل من صنع الشعب، الذي يقاوم الإلغاء بفنونه الصامتة، وبذكائه الجمعي.
والسدود التي تُبنى، والطرق التي تُشق، والقواعد العسكرية التي تُقام، كلها لا تُعيد رسم الخريطة، بل تُفاقم الشقوق. فالتنمية تأتي من الخارج، وتُدار من المركز، وفوائدها تذهب إلى القادمين الجدد، بينما يُهجّر الفلاح، ويُفقد الراعي مرعاه. وهكذا، تتحول المشاريع إلى أدوات تهميش، لا تقدم.
لكن الأهم هو أن الهوية لا تموت. إنها لا تُعلن نفسها دائمًا بالشعارات، بل تنبعث من خلال الطريقة التي يمشي بها الرجل على جبله، وكيف يُغني الطفل في حقله. إنها في اللغة التي لا تُدرّس، ولكن تُورث. وفي اللحظة التي يرفض فيها القائممقام الشاب أن يفهم أن السيطرة ليست بالسلاح، بل بالاحترام، فإن الجبل يُسجل اسمًا جديدًا في سجل المقاومة.
إن «تركيا الموحّدة» ليست حقيقة مسلّمًا بها، بل مشروعٌ متعثر. و«التتريك» ليس حلًا، بل جرحًا مفتوحًا. أما الحرية، فهي ليست مطلبًا سياسيًا فقط، بل ضرورة وجودية. لأن الإنسان لا يمكن أن يُصنع هوية له، كما لا يمكن للنهر أن يُجبر على التدفق عكس المنحدر. وكلما طال الزمن، زادت حتمية أن تُسمع الأصوات من الجبال، لا كتهديد، بل كنداء إنساني: نحن هنا، وسنبقى.
بوتان زيباري
السويد
23.11.2025

