بعد عامٍ كامل من تجربة السلطة السورية المؤقتة ، يتضح أن المسار الذي تسلكه لا يزال أبعد ما يكون عن طموحات السوريين عموماً ، وعن تطلعات المكوّن الكردي على وجه الخصوص .
فبين الوعود السياسية وبين الوقائع اليومية تتسع الفجوة ، وبات الناس يبحثون عن خارطة طريق لا تتغيّر بتغيّر المزاج السياسي أو تبدّل التحالفات .
لقد حمل الاتفاق المبدئي الذي جرى بين الجنرال مظلوم عبدي والرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع أملاً معقولاً بفتح صفحة جديدة من الشراكة الوطنية ، أو على الأقل بوضع أسس حوار جاد بين المكوّنات السورية .
لكنّ الاتفاق بقي في حدود التصريحات ، دون أن يرى السوريون منه خطوة عملية أو إرادة حقيقية بالانتقال من الكلام إلى الفعل . أمرٌ لا يمكن تفسيره إلا أن أطرافاً ما زالت تنظر إلى الملف الكردي بعقلية ما قبل 2011 ، وكأنّ التضحيات التي قُدّمت يمكن تجاوزها بمجرد تجاهل أو ضغوط إقليمية معروفة الاتجاه .
غير أن الحقيقة التي لا يمكن القفز فوقها هي أن الكرد اليوم ليسوا طرفاً هامشياً ،
ولا رقماً قابلاً للتبديل .
هم مكوّن أصيل ، له مشروعه وتجربته التي أثبتت قدرةً على الإدارة والاستقرار وحماية المجتمع . هذه التجربة أصبحت واقعاً سورياً ثابتاً لا يمكن اختزاله ولا التراجع عنه ، لا بضغط سياسي ولا بإملاءات خارجية .
وفي الوقت الذي يتطلع فيه السوريون إلى بناء مؤسسات جامعة ، ما زالت بعض القوى السياسية تميل إلى إعادة إنتاج الإدارة الأحادية بعيدة ً عن الشراكة الوطنية . وبين استقبال الوفود الدولية ، و بين الظهور البروتوكولي ، يغيب السؤال الأساسي :
ماذا تحقق فعلياً على الأرض ؟
أين هي المشاريع ؟
أين الخدمات ؟
أين رؤية الدولة التي تُبنى بالتعدد لا باللون الواحد ؟
السوريون لم يعودوا بحاجة إلى خطاب طائفي أو شعارات دينية مؤدلجة لا تزيد الواقع إلا انقساماً . وإذا كانت بعض الجهات تظن أن إدارة البلاد يمكن أن تتم عبر لغة التعبئة أو إعادة تدوير مفردات الماضي ، فإن التجارب كشفت أن هذا الطريق لا يؤدي إلا إلى المزيد من الانغلاق وابتعاد السوريين عن مشروع الدولة الذي يستحقونه .
وفي المقابل ، يثبت الكرد عاماً بعد عام أن حقوقهم ليست قابلة للتأجيل ولا للمقايضة .
والحقوق لا تسقط بتبدّل الحكومات ، ولا تنتظر موافقة الحسابات الإقليمية . وأي حل سياسي لا يضع العدالة والشراكة الحقيقية في صلبه ، سيبقى مشروعاً ناقصاً يعيد إنتاج الأزمات نفسها .
سوريا تقف اليوم أمام استحقاق مصيري لا يحتمل تكرار الأخطاء . والمستقبل لا يُبنى بشعارات بل بإرادة جماعية تعترف بكل مكوّنات البلاد ، وتبني شراكة عادلة تحفظ حقوق الجميع ، وفي مقدمتهم الشعب الكردي شريكاً لا تابعاً .
ولعلّ أهم ما تحتاجه سوريا اليوم هو أن تدرك أن الزمن تغيّر ، وأن الوعي الذي وُلد بعد 2011 وخاصة في المناطق الكردية لم يعد يقبل باتفاقات معلّقة ولا بإدارة فوقية . والتاريخ لا يتسامح مع مضيعي الفرص ، والشعوب لا تنسى من دافع عنها … ولا من أدار ظهره لها .

