عامٌ يمضي على انهيار النظام السابق وإقامة سلطة انتقالية جديدة تتأرجح بين صور الاحتفالات الرسمية وشعارات التحرير ، وبين واقعٍ سوري غامض لا تُجدي معه لغة المديح ولا روايات المريدين .
فمنذ أن استبدل أبو محمد الجولاني زعيم أحرار الشام عمامته ببدلةٍ غربيةٍ وربطةِ عنقٍ أوروبية ،
تحوّل المشهد السياسي إلى مساحة ضبابية :
والمحروسة ،
الدولة السورية المنشودة ، ما زالت تبحث عن شكلها ،
وهويتها ،
واتجاه بوصلتها .
اتفاق 10 آذار … آمال مشتركة ونقائض واضحة
كان اتفاق 10 آذار بين الجنرال مظلوم عبدي والرئيس المؤقت أحمد الشرع محطة مهمة ، ليس فقط بوصفه وثيقة سياسية ، بل بوصفه نافذة أمل للكورد ولسائر السوريين بفتح باب الشراكة الوطنية بعيداً عن الإقصاء والوصاية .
لقد رأى الكورد في الاتفاق خطوة نحو دولة تعترف بتضحياتهم ، وتحترم دورهم في محاربة الإرهاب وحماية المناطق التي دفعت أثماناً بشرية هائلة دفاعاً عنها وبالتالي عن كل سوريا .
لكنّ ما تلا الاتفاق بسويعات قليلة كان نقيضاً لروح الاتفاق :
_ إعلان دستوري أحادي ،
_ حكومة انتقالية صيغت بمعزل عن القوى الفاعلة ،
ومقاربات سياسية تُعيد إنتاج منطقٍ حاول السوريون إسقاطه لعقود .
ثم تأتي السلطة المؤقتة اليوم كي تلوم قسد على عدم الالتزام ، بينما أول خرق جاء من قلب دمشق نفسها .
السلطة المؤقتة … خطوات بعيدة عن واقع السوريين
لقد أثبت العام الأول أن هذه السلطة لم تنجح في بناء مسار سياسي جامع .
القرارات تُصاغ داخل دائرة ضيقة ، بينما تُستبعد قوى مجتمعية واسعة ، ومنها الكورد الذين لم يأتوا
من الهامش ، بل من تاريخ طويل من المقاومة ، ومن آلاف الشهداء الذين حملوا عبء الدفاع عن الوطن يوم ابتعد عنه الكثيرون .
والحقيقة أن سوريا لن تستعيد حضورها الإقليمي والدولي ما لم تُعِد تعريف مشروعها الوطني على أساس التعددية الحقيقية ،
لا على أساس الأيديولوجيا الواحدة أو المركزية التي لفظتها الأرض قبل الناس .
كما أن حماية الاستقلال السياسي لا يمكن أن تتم ما لم يُقطع الطريق على الأطماع الإقليمية المكشوفة ، وفي مقدمتها السياسات التركية التي ثبت أنها لا ترى في سوريا سوى ساحة نفوذ .
ميليشيات بزيّ رسمي … وتناقض مفهوم الدولة
من أخطر ما برز في العام الأخير هو دمج مجموعات معروفة الولاءات والسلوكيات داخل مؤسسات الدولة العسكرية الجديدة .
وإن كان هذا يضيف مظهراً من القوة ، فهو يضعف جوهر الدولة ويشرعن منطق الفصائل ،
ويُقصي فكرة المؤسسة الوطنية التي لا تقوم على الولاءات ، بل على النصوص المدرجة في القانون .
إلى أين … كردياً وسورياً ؟
السؤال الذي يهمّ الناس اليوم هو : إلى أين نحن ذاهبون ؟
إلى أين تتجه شمال وشرق سوريا وكل مكوناتها ؟
وإلى أين يتجه الكورد ،
الذين لم يطلبوا يوماً سوى أن يكونوا شركاء كاملين في وطنٍ دفعوا عنه أغلى ما يملكون ؟
سيداتي وسادتي الكرام :
الكورد ليسوا تفصيلاً في المشهد السوري ،
ولا رقماً في المعادلات الإقليمية .
هم أبناء هذه الأرض ،
حراس جبالها وسهولها ،
وأحد أهم أعمدة استقرارها .
وما لم تُترجم هذه الحقيقة في النصوص والمواقف ، فستبقى البلاد دائرة في الحلقة ذاتها .
الخُلاصة …
كل الوطنيون والشرفاء يطالبون بدولة تتسع الجميع وللجميع …
عامٌ كاملٌ كانت فيه سوريا بين النصوص والوقائع ،
بين ما كُتب وما جرى ، وبين احتفالات السلطة وقلق الناس …
عامٌ كشف ما يجب أن يُرمَّم وما يجب أن يسقط ،
وما لا يمكن أن يستمر .
ومن هنا يتضح أن البلاد لا تحتاج إلى مزيد من الصيغ الإنشائية ، بل إلى مشروع وطني يواجه الحقيقة كما هي ، لا كما تُرسم في الخطب .
مشروع يعترف بكل مكوّناتها ، ويصون حقها في المشاركة الفعلية، لا الشكلية .
مشروعٌ يعيد للناس ثقتهم ،
ويُخرج القرار من دائرة الضباب إلى عقل الدولة ،
ومن منطق المبايعات إلى منطق الشراكات ،
ومن إدارة الأزمة إلى بناء المستقبل .
سوريا لن تُبنى ببدلةٍ غربية ولا بشعاراتٍ جوفاء ،
بل بعقدٍ اجتماعي جديد يضع الجميع في مكانهم الطبيعي مواطنين لا توابع .
ولن تنهض الدولة بضمّ الميليشيات ،
بل بضمّ مواطنيها تحت سقف قانون واحد ومصير واحد .
ولن تتعافى بالوعود ،
بل بالشراكة الحقيقية بين الكورد والعرب وكل المكوّنات التي دفعت دمها كي يبقى الوطن قائماً لا مجرد اسم .
ودمتم سالمين غانمين .

