وتحليل بنيتها العميقة في ضوء أشعار محمود درويش
(محمد عزت علي الشريف)
على أبواب الأقصى
ليس بينك وبين الله ثَمَّ حاجب..
غير بوابات بني صهيون الإلكترونية!
تلكم هي عنوان الدعوى/ وفحوى القضية
وهاكُمُ تفصيلَ الحكاية ..
من الصِفْرِ/ وحتى النهاية
على باب الله
ومن بيت لحم/ إلى جِنين..
وكما الملائكةُ/ تقف الشياطين!
وعلى مائدة الوضوء
تلقَّيْنا الدعوة ../ جئنا من كل الربوع
وإذ عزَّ البحرُ../ فاغتَسِلْنا بالدموع!
وعند الباب
وكما ولدتني أُمي/ وعلى الأعتاب
خرجْتُ أحبُو حافياً/ ودخلتُ أهمي في الغياب!
ثم أمّا بعد/ لا أدري ما كان بعد
كل الذي قد علِمْتُ / أنِّي هنا..
أحمِلُ صخرتي/ وعلى كل الأبوابِ أطرُق
من ألفِ ألفٍ وأنا/ هنا أطرق..
ولألفِ ألفٍ ../ سأظَلُّ أطرق
لا لشيئٍ.. إلاَّ لأطرق!
يا سادتي،
لا عليكم من رباطي/ ومن طَرقي
ولا عليكم منّي..
وتلك الحشودِ بين يدّيَّ / ومن خلفي
ومن قبلي/ ومن بعدي..
ولا عليكُمُ مَنْ نكون!
قالوا لنا قبل قليل..
نحن الذين .. قايَضوا أحلامَهم
نحن الأُلي.. تَفَرَّطّتْ أعمارُهم
هنا/ على نَهرِ الطريق
من شاطئ يونيو/ إلى تشرين
جئنا إليكُمُ هذا اليوم..
جئنا بأحدث ما لدينا من تكتيك..
جئنا جميعاً من هنا
جئنا لكي نبقى هنا
على الأبواب مزروعينَ كأعوادِ البرسيمِ
في حقول الفلاحين..
كلما حَصَدتُمْ روحَ شهيد
أخرجَتُ الأرضُ لكم عشرين!
إيهٍ يا ثورة العشرين!
قالوا لي من بعد البعث،
مَرَّ دهرٌ على القادسيّةِ الأُولى
ومَرّ آخَرُ على الثانية
ومَرَّ قَرنٌ ..عليكِ يا ثورةَ العشرين.
لكنَّ هذي ثورتي / وثورة الملايين
وأنَّ هذي صخرتي
فَتَحَسَّسُوا أدمغتَكم
ويا خديجةُ..
أغلقي كلَّ البوّابات
وبعدَ اليومِ / لا تدخلي في سُبات
أنا الأرضُ/ وأنتِ الأرضُ
ومِن الأرضِ تُبْعثينَ في هذا النهارْ
هكذا قال الدرويش..
في سنةِ الانتفاضة/ وفي شهرِ آذارْ
ستأتي العصافيرُ غامضةً كاعترافِ البناتْ
وأمامِ البنفسجِ والبندقيّة
وعلى بابِ مدرسةٍ ابتدائية
سنُبْعَثُ رغمَ أنفِ الغزاة
ونبعثُ رغم أنف الطغاة
أنا/ وأنتِ/ والدرويش
وتُبْعَث معنا خَمسُ بناتْ
ويُبعَثُ..
كلُّ الذين قامرنا بأرواحهم
في سنين الانفراط!
(محمد عزت علي الشريف)
- ••
مقارنة دقيقة وعميقة بين البنية العميقة في شعر محمود درويش وبين البنية العميقة في قصيدة محمد عزّت علي الشريف «يا خديجة… أغلقي كلّ البوابات».
المقارنة هنا ليست في الشكل أو اللغة، بل في الطبقات الدلالية التي تتحرّك خلف النصوص:
(الرموز – الحقول – العلاقات – البنية الأسطورية – بناء الزمن – ثنائية الحضور/الغياب – وظيفة الذات والجماعة).
أولًا: موقع الذات في البنية العميقة
درويش: الذات = سؤال وجودي
في شعر درويش تتخذ الذات شكل كائن قلق، دائم التشكّل، متورّط في سؤال الوجود:
“من أنا لأقول لكم ما أقول”
“وأنا من أنا؟”
“على هذه الأرض ما يستحق الحياة”
الذات عند درويش تبحث عن نفسها أكثر مما تعلن نفسها.
إنها ذات متردّدة، شكية، تتنقل بين اليقين واللايقين.
الشريف: الذات = فاعل ملحمي
الذات في قصيدة الشريف حاسمة، ثابتة، مُصرّة:
“من ألف ألف وأنا أطرق… ولألف ألف سأظل أطرق”
“أحمل صخرتي”
“أنا الأرض وأنتِ الأرض”
البنية العميقة تُظهر ذاتًا لا تبحث عن معنى، بل تصنعه.
الذات هنا ذات “منتجة للمقاومة”، لا “متأملة في الوجود”.
الفارق البنيوي
درويش = الذات سؤال
الشريف = الذات صخرة
ثانيًا: المكان بوصفه مركزًا للهوية
درويش: المكان = ذاكرة + حنين
المكان عند درويش ليس حضورًا مادّيًا بل “أثر” أو “صورة”:
القرية المهدّمة
شجر الزيتون
الأم
البحر
المكان في البنية العميقة لدى درويش هو الجرح الأول، وهو الأصل الذي يحنّ إليه الشاعر، لكنه يعجز عن امتلاكه.
الشريف: المكان = ساحة مواجهة + بوابة
عند الشريف المكان ليس ذكرى، بل ساحة فعل مقاوم:
الأقصى = قداسة محاصَرة
الباب = الفاصل بين الهويّة والعدو
الطريق = زمن المواجهة
البيت = نداء الذاكرة/الأرض
المكان عند الشريف لا يُبكي… بل يستدعي المواجهة.
الفارق البنيوي
درويش = المكان ذاكرة
الشريف = المكان معركة
ثالثًا: الزمن العميق في النص
درويش: الزمن دائري – فقدان/عودة/فقدان
زمن درويش يشتغل على الدائرة:
الطفولة ← الخسارة ← محاولة استعادة رمز الطفولة ← خسارة رمزية أخرى.
مثلًا في “جدارية”:
الزمن = الحوار مع الموت
في “مديح الظل العالي”:
الزمن = تكرار الهزائم/النهضات
الزمن غير خطّي؛ هو تكرار الوجع ذاته بصور جديدة.
الشريف: الزمن تصاعدي – من الطرق إلى البعث
القصيدة تنتظم على 3 درجات زمنية:
الطرق (الفعل المستمر)
الانفجار (الثورة – الحشود – ثورة العشرين)
البعث (العصافير – البنفسج – البنات الخمس)
الزمن هنا يتقدّم، لا يعود إلى الوراء.
الفارق البنيوي
درويش = زَمنٌ يعيد نفسه
الشريف = زمن يصعد نحو البعث
رابعًا: العلاقة بين الفرد والجماعة
درويش: الفرد = الجماعة / الجماعة = الفرد
في شعره، لا وجود للفرد إلا بوصفه “صوت الجماعة”، لكنه في الوقت نفسه يريد الحفاظ على فرادته:
“أنا لغتي”
“أنا الجماعي المنقسم”
إنه “أنا” متورّطة في “نحن”، لكن تخاف الذوبان فيها.
الشريف: الفرد مندغم تمامًا في الجماعة
البنية العميقة في قصيدة الشريف تُظهر أن:
المتكلّم يقف وسط الحشود
الحشود أمامه ومن خلفه
الجماعة هي “الدليل” و“الضمانة”
لا يوجد خوف من الذوبان… بل رغبة فيه.
الفارق البنيوي
درويش = علاقة قلقة بين الفرد والجماعة
الشريف = اندماج تام بين الفرد والجماعة
خامسًا: الصراع الرمزي – الأسطورة الداخلية
درويش: الأسطورة = مرآة الضعف الإنساني
يستعير درويش الأسطورة ليكشف هشاشة الإنسان:
الوادي المقدس
آدم
قابيل/هابيل
يوسف
الطوفان
الأسطورة في شعره سؤال أخلاقي… لا دعوة للقتال.
الشريف: الأسطورة = مصدر قوة
في قصيدته، تشتغل الأسطورة بوظيفة معاكسة:
البعث
ثورة العشرين
القادسيّة
العصافير كطائر أسطوري
البنات الخمس (دلالة على الخصوبة والنهار)
الأسطورة = طاقة إحياء،
وليست تأملًا في المصير.
الفارق البنيوي
درويش = الأسطورة مرآة الإنسان الضعيف
الشريف = الأسطورة محرك الإنسان المقاوم
سادسًا: البنية العميقة للمرأة/الأرض
درويش: المرأة = الحلم/النداء/الغائبة
المرأة في شعر درويش:
ليمونة
ريتا
أم
ظلّ بعيد
المرأة = حلم بعيد لا يمكن الإمساك به بشكل كامل.
الشريف: المرأة = الأرض/الحماية/البوابة
“خديجة” ليست معشوقة،
ولا ظلالاً،
بل كيانًا واقعيًا رمزيًا يحمل:
الأرض
الذاكرة
الحماية
القرار
إنها “الأصل الثابت” الذي يعطي الأمر:
“أغلقي كل البوابات”
الفارق البنيوي
درويش = المرأة حلم
الشريف = المرأة أرض/حماية
سابعًا: صورة الموت
درويش: الموت = سؤال وجودي
في جدارية:
“هذا هو اسمك… قالت امرأة وغابت”
الموت فلسفي.
الشريف: الموت = شرط البعث
“كلما حصدتم روح شهيد… أخرجت الأرض لكم عشرين”.
الموت = لحظة ولادة جديدة.
الفارق البنيوي
درويش = الموت سؤال
الشريف = الموت بذرة حياة
خلاصة المقارنة: الفروق البنيوية العميقة
| البنية | درويش | الشريف |
| الذات | سؤال/قلق | صخرة/فعل |
| المكان | ذكرى/حنين | ساحة مواجهة |
| الزمن | دائري | تصاعدي |
| الجماعة | اندماج قلق | اندماج ملحمي |
| المرأة/الأرض | حلم | حماية/أرض |
| الأسطورة | تأمّل | قوة |
| الموت | سؤال | بعث |
الخلاصة العامة
البنية العميقة عند درويش تقوم على:
القلق – السؤال – الذاكرة – وجود الإنسان المفتوح على الفقد.
أما البنية العميقة عند الشريف فتقوم على:
الإصرار – الفعل – البعث – تحويل الألم إلى طاقة مقاومة.
إنّ قصيدة الشريف ليست امتدادًا لدرويش، بل ردًّا على السؤال الوجودي الذي فتحه درويش… لكنها تجيب عليه بإيقاع ملحمي صلب، لا بلغة التأمل.

