عندما كان الإنسان فی بداية وجوده علی وجه الأرض يكافح الموت فردا بالصراع مع الطبیعة الواسعة العملاقة المحيطة به، كان و لازال فی حاجة لتنظيم حياته الیومیة بالتعامل و الاندماج مع هذا المحيط لیحمی نفسه من أضراره حینا، و للإستفادة من عطائه فی أغلب الأحیان. من أجل البقاء علی الحیاة یتطلب من الإنسان منذ ذلك الوقت ولحد الآن أن يندمج مع محیطه لكی يستكشف مخازنه و ثرواته لإستعمالها فی خدمة مصالحه و لحماية نفسه ضد أعدائه ومنافسيه فسعی الإنسان إلی التعايش مع بیئته فی خضم هذا الإندماج، وذلك بتوفیر المأكل والمشرب والمسكن و المقاومة و الدفاع مستعملا ذكاءه المتفوق علی بقیة الكائنات من حوله.
هذه الحاجة للتعايش والإندماج توسعت عندما لم تعد الفردية تستطيع توفير الإستمراریة فی الحیاة لكی تضمن الظروف الملائمة للأجیال القادمة من خلال الإنضمام والاندماج و التكاثر. بزيادة التطور فی بنية الفرد توسعت قابلياته وخبراته فی كیفیة التعامل مع الطبيعة المحيطة به فبقي الأصلح منه و انقرض الأسوأ فی التعايش عندما لم يتمكن من توسيع القابلية علی التأقلم والتكيف الذی یرافق التغییرات التی تحدث فی المحیط، سواء” كانت هذه التغییرات تجري بصورة عفوية فی طبیعیة الأحياء والجماد من حول هذا الفرد أو من صنع الإنسان. توسعت هذه الكفاءات فی التطور لدی الفرد بإرتفاع درجة ذكائه و زيادة حاجته إلی العلم والمعرفة دفعته فی يومنا هذا إلی توفیر الإفتخار والإعتزاز عبر الحدود الجغرافیة بین أطول المسافات فی محیطه و مع أبعد الثقافات عنه و فی أقصی الإختلاف فی اللغات والديانات والمكونات فی بیئته المحيطة به، فكانت النتيجة فی يومنا هذا نشوء نماذج أثبتت أصلحیتها فی التطبيق العملي لهذا التفوق الفكري فی مجتمع متعدد اللغات و الأديان و الثقافات.
من هنا أتی الدور الطبیعی للأب أیضا فی قیادة العائلة فی المجتمع البدائی من أجل الإندماج وليس للسيطرة و الإستغلال كما یدعی البعض. فهذا الدور اللذی أدی تدریجیا فی يومنا هذا إلی سلطة الذكر علی الأنثی لم یأتی فی بداية الأمر فی طبیعة تكون الإنسان كفرد، بل أتی تلبية لمتطلبات الحياة من أجل البقاء والتكاثر لیس إلا. وعندما تكونت العائلة إزداد دور الذكر فی إتخاذ مسۆلیة العائلة فی تنظيم شۆونها وحمايتها فی زمن كانت القوة تكمن فی العضلات وفرض السلطة وليست فی طريقة التفكير بالمساوات و العدالة و الحریة و الإستقلال كما یفهمها الإنسان المتحضر فی عصرنا هذا. فتطور مصطلح القوة تدریجیا فی صالح القوی ضد المستضعف، والغني ضد الفقیر والرأسمال المالي ضد الجهد العملي والإنتاج، الأمر الذی أدی إلی ظهور الرأسمالية كنظام إقتصادي و سیاسی لازال يجلب الهدم و التدمير للبشریة أولا وللكون عامة إذا بقی فی هذا الإتجاه. ولكن طبيعة الإنسان فی تطور الفرد و قابليته علی الإندماج مع محیطه تحول فی يومنا هذا من التنافس بین الذكور فی العائلة الواحدة لتكوین النظام السلطوي فی العائلة كضرورة فی توفير الحماية والإستقلال إلی رجوع الأنوثة إلی طبيعتها الحامية للطفل والحياة والحریة مما أدی إلی تراجع الذكر عن السلطة و قبوله بالإندماج مع العائلة وليس الإستسلام للأنثى كما يفهم البعض.
ما ذكرناه أعلاه ملخص لتطور الفرد فی المجتمع وفق حاجاته وكفائاته وقابلياته علی الإندماج مع محيطه. سواء” كان هذا المحيط يتكون من بشر تربوا علی فلسفة “المقاومة هی الحياة” و “المرأة، الحياة، الحریة” كما هو الحال بالنسبة لنموذج “روژئاڤا”، أو كائنات حیة أخری تربوا علی اللاهوت و العنصرية و الإرهاب، كما هو الحال فی بقیة أجزاء سوریا والشرق الأوسط بصورة عامة، أو بيئة مكونة من جماد أو أدوات أو أجهزة من صنع البشر بحیث وصل به الأمر إلی خلق العقل الآلي وأخيرا الذكاء الصناعي وما يتبعه من استعمالات أدق و أعمق تتجاوز وعي الإنسان فتولد لديه القلق من ما تنتجه يداه. هذا الفرد المبدع الخلاق يحتاج فی جميع أمور حياته إلی الإندماج مع الآخرين. بدأ ذلك بإشباع الغریرة الجنسیة من خلال معايشة الجنس الآخر و تكوین العائلة نتیجة التكاثر، و من بعد ذلك حاجة الفرد إلی السكن لنفسه وعائلته أدی إلی لجوئه إلی تنظيم حياته الیومیة بالاندماج مع الآخرين لتوفير الحماية والمعيشة لیس فقط لنفسه وإنما لعائلته وأهله و ذويه وشعبه و وطنه. هذه الحاجة إلی تنظيم و حماية الفرد بدأت بسیادة الرجل الذی كون العائلة عندما وجد المرأة التی حملت طفله فی بطنها ومن ثم شاركا معا” فی تغذية ورعاية وتربية ذلك الطفل حتی بلوغه سن الرشد لیكون عائلته الخاصة به تدریجیا فی سلام وأمان، إلی أن ینتهی به الأمر عن طریق الإندماج إلی الإستقلال، لیس إلی الإنصهار ولا الإنفصال. وهذا ما یۆدی بنموذج روژئاڤا إلی إعلان دولته المستقلة عاجلا أو آجلا.
١٧\١٢\٢٠٢٥

