في السياسة الأميركية ، ليست كلّ الجرائم متساوية ، ولا كلّ الدماء تستحق الوقوف عندها طويلاً .
أحياناً يُعاد توصيف الوقائع لا لأنها غامضة ، بل لأنها محرِجة .
ثلاثة أميركيين قُتلوا في تدمر :
مترجم مدني ، وجنديان من القوات الأميركية .
لم تسقطهم قذيفة داعشية ، ولم يُستهدفوا في معركة مع تنظيمٍ متوحّش ، بل قُتلوا برصاص عنصر من قوى الأمن السورية كان يرافق القوات الأميركية نفسها .
الواقعة لم تأتِ من تحقيقٍ استقصائي ، بل من اعتراف رسمي سوري .
الناطق باسم وزارة الداخلية السورية السيد نور الدين البابا أعلن أن المنفّذ عنصر أمني سوري وكان موضع شك في سلوكه .
اعتراف واضح ومباشر لا يحتاج إلى تأويل .
ورغم ذلك اختارت واشنطن وعلى لسان الرئيس ترامب أن تُعيد الجريمة إلى خانة داعش .
تنظيمٌ جاهز دائماً لتحمّل التهم ، حتى تلك التي لا تخصّه .
لماذا ؟
لأن السياسة حين تتشابك الحسابات تُصبح الحقيقة تفصيلاً قابلاً للتأجيل .
ربما لأن للولايات المتحدة حساباتٍ أخرى مع السلطة المؤقتة في دمشق …
ربما لأن هناك تنازلاتٍ ما ، هنا أو هناك .
ربما لأن ملف الجولان ما زال مفتوحاً على صفقاتٍ لا تُعلن .
ربما لأن فتح مدارس أو إعادة أملاك وعقارات لأبناء العم سام ، أو ترميم كنيس في دمشق أو حلب يُقدَّم كدليل اعتدال سياسي سريع الاستهلاك .
ربما لأن الاتفاقيات الإبراهيمية تبحث عن عناوين وأسماء جديدة ، ولو بذاكرة قديمة …
وربما فقط لأن بعض الأرشيفات لم تُفتح بعد ، من ملف السيد إيلي كوهين إلى ما تبقّى من أوراق تفاوض لم تُحرق .
كلّ هذا ربما لا يُثبت اتهاماً لكنه يشرح الصمت .
وهنا لا بدّ من المقارنة ، لأنها المعيار الوحيد العادل .
على مدى أكثر من عشر سنوات ، خاضت الولايات المتحدة والتحالف الدولي شراكة كاملة مع قوات سوريا الديمقراطية .
في أقسى الجبهات ، وفي قلب مناطق داعش لم يُقتل جندي أميركي واحد ولا جندي من التحالف برصاص هذا الشريك .
لا حادث فردي ،
ولا انحراف سلوكي ،
ولا سوء تقدير .
ليس صدفة .
إنه فرق المنشأ ، والعقيدة والغاية .
هناك قوى خرجت من رحم الحركات الراديكالية الإسلامية غيّرت جلدها السياسي ، لكنها لم تُجرِ مراجعة حقيقية لذاكرتها الأيديولوجية .
وهناك قوى وُلدت من الألم ،
من القهر ،
من الإبادة ،
من محاولات محو الهوية ، فقاتلت الإرهاب لا لتستبدله ، بل لتمنعه .
قوات سوريا الديمقراطية لم تطلب شراكة لتحمي نفسها ، بل قدّمت نفسها درعاً عن الآخرين .
دفعت آلاف الشهداء لا لتوسيع نفوذها ، بل لتطهير الأرض من رجسٍ لو تُرك لامتدّ إلى ما وراء المنطقة بكثير .
وشعبُنا ، على امتداد عقود ، لم يخرج يوماً من بركة دماء أبنائه ؛ دماءٍ سالت دفاعاً عن الكرامة ،
وعن الأرض ،
وعن الأعراض ، وعن الحقوق ،
في وجه كلّ المتآمرين وناكري وجودنا وحقوقنا .
ومع ذلك ، لم تحظَ هذه التضحيات بقوانين واضحة ،
ولا بضمانات سياسية صريحة ،
ولا باعترافٍ يليق بثقلها .
بينما مُنحت الثقة لمن لم يُختبر بعد ، أو اختُبر سريعاً فسقط في أوّل امتحان .
السياسة قد تتحمّل البراغماتية ، لكنها لا تتحمّل إنكار الوقائع إلى ما لا نهاية .
والشراكات الحقيقية تُقاس بالسلوك تحت الضغط ، لا بالوعود الشفهية ، ولا بالاتفاقات الخجولة أو الصفقات تحت الطاولة .
وبالنسبة لشعبنا ، الأمور لا تُقاس بالكلمات ، بل بخواتيمها ونتائجها واستمراريتها .
لقد خبرنا الخذلان طويلاً، ولم تعد العبارات المنمّقة تكفي لوضع بلسمٍ على جرحٍ مفتوح .
ما يهمّنا هو اعتراف دولي ، ونصوص قانونية صريحة ، وضمانات واضحة تُقرّ بحقوقنا دون مواربة .
نحن أبناء أرضٍ قاتلت داعش لأنها لا تستطيع التعايش مع السكين على الرقبة ،
لا لأنها تسعى إلى شهادة حسن سلوك من أحد .
نعرف من وقف معنا حين كان الموت سيّد الميدان ،
ونعرف من يبدّل موقفه حين تتغيّر المصالح .
لسنا دعاة امتياز ، بل دعاة عدالة سياسية .
ولا نطلب تصديق روايتنا ،
فالأرض التي رُويت بالدم أصدق من كلّ البيانات .
أما التاريخ ، فهو قد يتأخّر …
لكنه لا يخطئ ،
ولا ينسى من حاول تأجيل الحقيقة ،
ولا يعفو عمّن بنى شراكاته على دمٍ مؤجَّل .
بقلم : محمد ديب أحمد

