في سياق تحولات الديمقراطية الناشئة في العراق، يبرز دخول مهنة التمريض إلى المجال السياسي كظاهرة تعكس تطوراً نوعياً في بنية التمثيل البرلماني. بعيداً عن العشائرية والطائفية والانقسامات العرقية، اختارت هذه المهنة النهج القطاعي المنظم، مستندة إلى الثقل الاجتماعي الذي اكتسبته منذ تأسيس نقابتها الأولى عام 1959 بموجب القانون رقم (33)، الذي استُبدل لاحقاً بقانون رقم (8) لسنة 2020 ليواكب تطورات المهنة في ظل الديمقراطية الناشئة والتعددية الثقافية العراقية. هذا الصعود ليس مجرد انخراط في اللعبة السياسية، بل استراتيجية مدروسة لتصحيح الغبن التاريخي الذي لحق بالقطاع الصحي، وتعزيز الحقوق المهنية أمام التحديات الاجتماعية والاقتصادية المزمنة.يُعد تنظيم القطاعات المهنية عبر النقابات المتخصصة الحل الأمثل لنجاح التجربة البرلمانية العراقية، إذ يصبح كل ممثل عن شريحة اجتماعية خبيراً متبحراً في تخصصه، ومدافعاً عن مصالحها. هنا، يقدم التمريض نموذجاً للتنظيم المهني يتجاوز الحدود الإثنية والدينية، مستلهماً مبادئ التعددية الثقافية التي تشكل جوهر الهوية العراقية. هذا النهج يعزز الانسجام الاجتماعي، ويحول التنوع إلى قوة دافعة للتنمية المستدامة بدلاً من مصدر للصراعات.من أعماق الجنوب العراقي، حيث تتجذر العراقة التاريخية والتراث الثقافي، انطلق الممرض الأستاذ بسام جاسب الزهيري رمزاً للإصرار والعزيمة. من شناشيل ميسان التقليدية، وقصبها الأخضر، وأهوارها الساحرة التي تشكل لوحة فنية من الطبيعة والتاريخ، ومن ضفاف نهر دجلة الخالد، ينبعث من “الشريعة” – المكان المقدس على النهر الممتد من المعبد المندائي التاريخي، حيث يداعب الماء الأرواح قبل الأجساد، مغسلاً إياها من كل حقد أو تعصب طائفي. في هذا السياق الثقافي الغني برموز الصابئة المندائيين – الطائفة العريقة التي تجسد التعايش السلمي مع الطبيعة والمجتمع – يتجلى الإخاء الحقيقي بين أطياف المجتمع الميساني، متجاوزاً الحدود الإثنية لتعزيز قيم التسامح والاندماج الاجتماعي.رغم الآراء المناوئة والأحاديث المضادة التي حاولت ثنيه عن مساره، انطلق الزهيري كسمكة الشبوط العنيدة ضد التيارات السائدة، ليصل إلى مركز القرار السياسي. وقف التمريض بشخصياته الميسانية والعراقية إلى جانبه كخطوة مهمة نحو تمثيل مهني أصيل. مع إعلان النتائج، خفقت القلوب وتصافقت الأيادي فرحاً بإنجاز يعكس الإرادة التمريضية والشعبية معاً. اليوم، أصبح التمثيل التشريعي واقعاً ملموساً، يمهد للطموحات نحو المواقع التنفيذية في الدورات القادمة، ويفتح الباب أمام تشريعات حيوية، أبرزها: رفع تسكين الملاكات التمريضية من حملة شهادة الإعدادية، تعديل قانون التمريض لمواكبة التطور المهني، دعم مقترح قانون حماية الملاكات التمريضية، تشريع قانون دائرة التمريض العامة، إضافة إلى قوانين ومقترحات أخرى تسهم في تطوير المهنة والارتقاء بواقعها.إن “ملائكة الرحمة” – كما يُلقب الممرضون – يقفون اليوم في قلب العملية التشريعية، حيث يمثل وجود ممثل عنهم فرصة لتعزيز الكفاءة المهنية والعدالة الاجتماعية. في عصر يتطلب السياسة أكثر من خطابات، يبرز هذا الصعود دليلاً على أن النهج القطاعي قادر على إعادة صياغة المشهد السياسي العراقي نحو مزيد من العدالة والكفاءة، مستلهماً دروس التاريخ والحاضر لصناعة مستقبل أفضل.

