دمشق تتخلّى رمزيًّا عن هاتاي والجولان: خريطة جديدة تُنهي ملفين تاريخيين لـ”إرضاء أنقرة وتل أبيب”

في خطوة تحمل دلالات سياسية عميقة، حذفت وزارة الخارجية السورية — في منشور احتفالي نشرته على منصة X (تويتر) بمناسبة رفع العقوبات الأمريكية — هضبة الجولان السورية المحتلة ومدينة هاتاي التركية من خريطة سوريا الرسمية، marking أول مرة في تاريخ الدولة السورية الحديثة يُقدّم فيها هذا التنازل الجغرافي صراحةً في وثيقة حكومية.

وجاء المنشور تحت عنوان: “سوريا بدون قانون قيصر”، ليُرفَق بصورة خريطة لا تشمل لواء إسكندرون (هاتاي) ولا الجولان، اللذين ظلا جزءًا ثابتًا من الخرائط الرسمية السورية منذ عقود — في الكتب الدراسية، جوازات السفر، النشرات الجوية، وحتى في الخطابات الدبلوماسية.

ويُعدّ هذا التغيير جزءًا من استراتيجية واضحة تتبعها الحكومة السورية الانتقالية برئاسة أحمد الشرع، تهدف إلى إصلاح العلاقات مع الجارتين تركيا وإسرائيل، وفتح صفحة جديدة مع المجتمع الدولي في مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد.

تطبيع غير معلن مع أنقرة وتل أبيب

وبحسب مراقبين، فإن التنازل الرمزي عن هاتاي — التي ضُمت إلى تركيا عام 1939 بعد استفتاء — يُعدّ أقوى رسالة “حسن نية” تُرسلها دمشق إلى أنقرة، التي ظلّت ترفض أي ذكر لمنطقة “لواء إسكندرون” كأرض سورية محتلة، معتبرة ذلك تهديدًا لأمنها القومي.

أما غياب الجولان من الخريطة، فهو تحوّل دراماتيكي، إذ كان “استرداد الجولان” خطًّا أحمر في السياسة الخارجية السورية طوال حكم عائلة الأسد. ويرى محللون أن هذا الإغفال يعكس تخليًا صريحًا عن المطالبة باستعادتها عبر السبل العسكرية أو الدبلوماسية، واستبدال ذلك بأولوية الاستقرار الداخلي والتعافي الاقتصادي.

خبراء: “هذا ليس تعديل خريطة.. بل تغيير في الهوية السياسية”

ووصف جنك صاجينيج، الخبير في العلاقات الدولية، الخطوة بـ”التاريخية”، قائلًا في تغريدة:

“خريطة سوريا الصادرة عن وزارة الخارجية لم تتضمن هاتاي والجولان. هذه المرة الأولى في تاريخ سوريا، وتوضح الكثير بشأن سياسة المرحلة الجديدة”.

وأضاف أن هذا التغيير ليس “بساطة جغرافية”، بل دليل مادي على رغبة دمشق في الاندماج مجددًا في المنظومة الدولية، وبناء تحالفات جديدة في ظل التحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة منذ 2025، حيث باتت تركيا والولايات المتحدة وإسرائيل لاعبين محوريين في مستقبل سوريا.

نهاية عقدين من “الخط الأحمر”

وبهذا، تغلق دمشق رسميًّا — ولو رمزيًّا — أكبر ملفين خلافيين في سياستها الخارجية:

  • هاتاي، التي ظلت عقبة في العلاقات السورية-التركية لأكثر من 85 عامًا،
  • الجولان، رمز “الشرف القومي” منذ حرب 1967.

ويُنظر إلى هذه الخطوة على أنها ثمن باهظ يدفعه النظام الجديد مقابل الدعم السياسي، والاقتصادي، والأمني من القوى الإقليمية والدولية، في وقت تسعى فيه سوريا إلى الخروج من عزلتها، حتى لو كان ذلك على حساب ما كان يُسمّى “ثوابت وطنية”.