ونحن نغادر عاماً مثقلاً بالأزمات والتحولات ، وندخل عاماً جديداً لا تزال فيه الأسئلة السورية الكبرى معلّقة ، يبدو من الضروري التوقف عند طريقة إدارة السياسة في دمشق ، ليس من باب التمنّي ، بل من باب قراءة الوقائع كما هي .
الدول لا تُقاس بالأمنيات مع مطلع كل عام ، بل بقدرتها على التعاطي العقلاني مع أزماتها الداخلية وتعدديتها المجتمعية .
نستقبل عاماً جديداً ، فيما لا تزال السلطات المؤقتة في دمشق ومعها منظومتها الإعلامية ، تصرّ على إدارة السياسة بعقلية الصوت العالي لا بعقل الدولة .
التحريض المستمر ضد قوات سوريا الديمقراطية ومن ورائها الكرد عامةً ، والزعيق المكرّر والصوت الشاذ الذي يرافقه ، لم يعد سوى ضجيج فقد مفعوله ، ويكشف أكثر مما يخفي عن مأزق سياسي عميق .
والوقائع على الأرض تؤكد أن أي تقارب أو اتفاق لا يمكن أن يولد من لغة التهديد والوعيد ،
ولا من خطابات تصدر من أبراجٍ عاجية ، ولا من استدعاء منطق الإملاءات أو إعادة تدوير الفرمانات والأوامر السلطانية بصيغة تركية .
الحل السياسي يبدأ عندما تُقرأ الجغرافيا السياسية السورية كما هي لا كما تُتمنّى ، وعندما تُقدَّم مصلحة السوريين على حسابات ومصالح الخارج .
في هذا السياق ، لا يمكن تجاهل ما جرى قبل أيام في الساحل السوري ، حيث خرجت مظاهرات سلمية تطالب بدولة فيدرالية ، وبالمساواة والحقوق المدنية .
الردّ لم يكن سياسياً ولا قانونياً ، بل جاء على الطريقة المعروفة :
لغة الشبيحة والعنف ، ما أدى إلى استشهاد ثلاثة مدنيين وجرح أكثر من خمسين آخرين ، والعبث بأرزاق المدنيين .
هذه الحادثة ، بقدر ما هي مأساوية ، تكشف أن المشكلة ليست في المطالب ، بل في المنهجية التي ما زالت ترى في أي تعبير سلمي تهديداً ، وفي أي اختلاف مشروع مؤامرة .
من هنا يصبح التحذير واجباً :
العقلية التي واجهت مطالب الساحل بالرصاص ، هي ذاتها التي تلوّح اليوم بالتحريض ضد قوات سوريا الديمقراطية .
الفرق أن قسد ليست مظاهرة أعزل ، بل قوة سياسية وعسكرية منظمة ، ذات شرعية ميدانية وشراكات دولية .
الإعلام الحكومي الرسمي ومعه الذباب الإلكتروني ، يعكس توتراً دائماً يوحي بأن الأزمة ليست فقط مع قسد ، بل داخل بنية السلطة نفسها وحين يغيب المشروع السياسي ، يصبح الصراخ بديلاً عنه .
أما ما يجري خلف الكواليس بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية ، فهو بطبيعته غير معلن ، لكن المؤكد أن التصعيد الإعلامي لا يبني ثقة ، ولا يهيئ لتسوية .
كما أن تأجيل زيارة القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية السيد مظلوم عبدي بذريعة “أسباب تقنية”، لا يمكن فصله عن هذا المناخ ، حيث تصبح التفاصيل أهم من البيانات ، وتغدو الإشارات أبلغ من التصريحات .
في المشهد الدولي ، تدرك الولايات المتحدة التي صنّفت سوريا ضمن سياق التحالف في مواجهة الإرهاب ، أن الوقوف على مسافة واحدة لا يعني تجاهل الفوارق بين من شكّل شريكاً فعلياً في محاربة الإرهاب ، ومن ما زال أسير خطاب إنكاري .
والسياسة الدولية كغيرها ، لا تكافئ الصراخ ، بل تنظر إلى النتائج .
قوات سوريا الديمقراطية من جهتها ، لم تطرح مشروعاً فئوياً أو خارج الإطار الوطني ، بل قدّمت رؤية واضحة لسوريا المستقبل :
دولة لا مركزية ،
ديمقراطية ،
دستور يضمن الحقوق ولا يمنّ بها ، ويؤسس لمواطنة متساوية بسقف قانوني واحد ، يشمل الكرد والعرب والسريان والعلويين والدروز ، وكل المكونات دون استثناء .
أما أولئك الذين ما زالوا يعتقدون أن التحريض والعوم في المياه العكرة قادران على إعادة إنتاج دولة مركزية فاشلة ، فعليهم أن يدركوا أن خطابهم بات جزءاً من أرشيف الأزمة ، لا من أدوات الحل .
والدساتير لا تُكتب بالتهديد ،
والأوطان لا تُدار بالشبيحة ،
والسياسة لا تُختزل بمكبرات الصوت .
ومع دخول عام جديد يبقى السؤال الحقيقي مطروحاً :
ليس ماذا تريد قوات سوريا الديمقراطية ، فذلك مُعلن وواضح ،
بل متى تقرر دمشق أن تتعامل مع التعدد السوري بوصفه أساس الدولة ، لا خطراً عليها ؟

