كوردستان قضية دولية .- كامل سلمان

الخبر الذي إنتشر في المواقع الأخبارية وفي الفضائيات حول إعتراف إسرائيلي بدولة صوماليا لاند الإقليم الذي أعلن إنفصاله عن دولة الصومال كان يحمل في طياته خفايا كبيرة ، عند البحث حول الموضوع وجدت بأن الباطن المخفي هو الأكثر من الظاهر المعلن ؜نظراً لترابط القضية بالمصالح الدولية المتشعبة ، هذا الخبر فتح من جديد موضوع الأقاليم في دول العالم وعلاقتها بعضها ببعض . هناك أكثر من ثلاثين دولة حول العالم فيها أقاليم ترغب بالاستقلال عن دولها لكن يتم إسكاتها بالقوة أو بالمراوغات السياسية أو بأنصاف الحلول مثل إقليم كوردستان وكشمير وهونك كونك وكتالونيا وصوماليا لاند وتايوان وغيرها ، من الصعب جداً على هذه الأقاليم الحصول على الأعتراف والدعم الدولي في حال أعلنت إنفصالها لأسباب مترابطة ، بنفس الوقت هناك أكثر من مائة وأربعون دولة من دول العالم التي تجاوز تعدادها المائتين دولة فيها أقليات تشعر بالإضطهاد وتود مستقبلاً التفكير بالإستقلال أو الحصول على إمتيازات دستورية خاصة . لكن هذه الأقليات غالبيتها نسبها السكانية قليلة وتوزيعها الجغرافي متشتت أي ليست في رقعة جغرافية محددة لذلك فأن مشكلة الأقاليم وحقوق الأقليات لم تعد مشكلة محلية وأن غالبية دول العالم بمجرد أن تسمع بأن هنالك إقليم يريد الأنفصال وإعلان الاستقلال تسارع جميع هذه دول إلى الاستنكار والتنديد ودعم الدولة الأم لإجهاض مشروع إستقلال الإقليم ولو بالقوة لأن غالبية دول العالم ستعتبر هذا الإنفصال هو تشجيع للأقليات في بلدانها على الإستقلال وتعتبر ذلك السلوك يخص أمنها القومي الذي تعرض للخطر ( مشكلاتهم متشابهة ) هذا ما دفع إلى الاستنكار والشجب العالمي على الخطوة التي أقدمت عليها إسرائيل بالاعتراف بدولة صوماليا لاند . هنا أصبحت قضية استقلال الأقاليم قضية دولية تتأثر بها غالبية دول العالم . . طبعاً إسرائيل لم تعترف بصوماليا لاند كدولة إلا بعد أن ضمنت لنفسها مصالحها العسكرية والاقتصادية والسياسية في هذه الدولة الجديدة التي لم تنل الاعتراف من الأمم المتحدة . من خلال هذه الصورة المصغرة للحدث نستطيع القول بأن استقلال أي إقليم في أية دولة من دول العالم يكون خاضعاً للعوامل الدولية أكثر من العوامل المحلية . الشيء الغريب هو أن دول العالم رغم عدم رغبتها في انفصال الأقاليم فأنها تسارع التعامل مع الأقاليم الأخرى بنفس مستوى التعامل مع حكومات الدول سياسياً وأمنياً واقتصادياً وتبني قنصليات دبلوماسية لها في الاقاليم بنفس صلاحيات الهيئات الدبلوماسية ( السفارات ) وترسل مسؤولين كبار من دولها لتعزيز الروابط وبناء العلاقات القوية على كافة المستويات ، ما يلاحظ أيضاً بأن أغلب الأقاليم في جميع دول العالم تشترك بصفات تكاد تكون مستنسخة ، منها التطور العمراني والصناعي والزراعي والخدماتي في الإقليم أفضل مما موجود في عاصمة ومدن الدولة الأم ومنها ممارسة النشاط الديمقراطي والبرلماني والحرية الشخصية في الإقليم أفضل مما موجود في البلد الأم ، أنا لا أتحدث هنا حصرياً عن كوردستان لكن هذه المعلومات حصلت عليها في معظم الأقاليم حول العالم وخاصة في صوماليا لاند ، الأقليم دائماً يتفوق على المركز في جميع المجالات ، لذلك فأن الأقاليم في معظم دول العالم ترى نفسها بأنها مؤهلة لإعلان استقلاليتها وترى من حقها أن تكون دولاً مستقلة لكن الاستقلالية لم تعد قراراً محلياً بحتاً بسبب تعقيدات الوضع الدولي ، بعض الأقاليم أثبتت نفسها بأنها قادرة أن تكون أكبر وأنجح من الدولة الأم اقتصادياً وأمنياً وسياسياً وكلنا نتذكر كيف كان الوضع الأمني والاقتصادي في إقليم كوردستان مقارنة بباقي محافظات العراق خلال العقود الثلاثة الماضية ، كانت كوردستان نموذجاً رائعاً يحتذى به ، هذا الفارق الكبير لم يأتي اعتباطاً بل هو إثبات لعلو الكعب والتفوق والرقي .. دول العالم في صدمة أمام إعتراف إسرائيلي بدولة صوماليا لاند لأن هذا الإعتراف أخل بالموازين المعمولة بها دولياً ، ويتوقع المراقبون بأن المكاسب التي حصلت عليها إسرائيل من وراء إعترافها بدولة صوماليا لاند تستحق هذا التحدي للمجتمع الدولي والانفراد في الاعتراف بهذه الدولة الفتية . هذه الصورة يجب النظر إليها بدقة وبتمعن بأن فكرة الاستقلال هي فكرة استراتيجية بكل الحسابات ليست مجرد استفتاء شعبي أو هوس إعلامي بل هو تخطيط وجهد دبلوماسي كبير جداً يعمل به قادة ومسؤولي الأقاليم لسنين طويلة لإقناع المجتمع الدولي بأن استقلال الإقليم هو الحل الأمثل لكي لا يتحول الاستقلال إلى كابوس من المجازر الدموية مثلما حصل لسكان البوسنة والهرسك في تسعينيات القرن الماضي .