كشفت الشحنات العسكرية السرية التي وصلت إلى ميناء المكلا اليمني، والمقصودة لدعم المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًّا، عن تصدع استراتيجي خطير بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، الحليفين التاريخيين اللذين شكّلا عمودًا فقريًّا في السياسة الإقليمية خلال العقد الماضي.
وبحسب تقارير مطلعة، فإن الرياض كانت تستخدم قنوات دبلوماسية سرية منذ أسابيع للضغط على المجلس الانتقالي لـالانسحاب من المحافظات التي استولى عليها في ديسمبر قرب الحدود السعودية، لكن مساعيها باءت بالفشل، قبل أن تكتشف أن أبوظبي أرسلت شحنات أسلحة وعربات مدرعة إلى الجماعة الانفصالية — وهو ما اعتبرته الرياض خيانة للثقة وخرقًا للتحالف.
وردّت المملكة بقصف الشحنتين في ميناء المكلا، واتهمت الإمارات بتمويل هجوم يهدد أمنها القومي، وطالبتها بـ”سحب جميع قواتها من اليمن فورًا”.
نفي إماراتي… وانسحاب “تهدئة”
رغم نفي أبوظبي رسميًّا “مزاعم التسليح”، أعلنت سحب قواتها المتبقية من اليمن في خطوة وُصفت بـ”التهدئة الضرورية”، لكنها كشفت في العمق عن استحالة المصالحة التامة بين الطرفين حول مستقبل جنوب اليمن.
وأدى هذا الخلاف إلى إرباك شديد في الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية، التي باتت عاجزة عن فرض سلطتها في الجنوب، بينما يُدار الميدان فعليًّا من قِبل فصائل متنافسة — كلٌّ حسب ولائه الإقليمي.
تصدع التحالف الإقليمي
ويُنظر إلى هذه الأزمة على أنها أكثر من خلاف يمني، بل مؤشر على تحوّل جوهري في العلاقة بين محمد بن سلمان ومحمد بن زايد — الزعيمين الأكثر نفوذًا في العالم العربي.
فقبل عقد، بدا أن التحالف بينهما نموذجًا للتعاون الاستراتيجي:
- بن زايد، الأكبر سنًّا والأكثر خبرة، دعم بقوة مشروع بن سلمان في “الإسلام المعتدل”،
- وعملت الإمارات كـبوابة اقتصادية للشركات الأجنبية الراغبة في دخول السوق السعودي،
- بل إن أبوظبي ساعدت الرياض دبلوماسيًّا في واشنطن، مُقدّمةً أميرها الشاب كـ”مصلح شجاع”.
لكن اليوم، يشعر كل طرف أن مصالحه تتعارض مع الآخر:
- السعودية تريد دولة يمنية موحدة لضمان أمن حدودها،
- الإمارات ترى في الجنوب الانفصالي ضمانة لـنفوذ مستدام ودرءًا لأي تمدد إيراني أو إسلامي.
تحذير أمريكي: التمزق الخليجي يهدد المنطقة بأكملها
ووصف دان شابيرو، الدبلوماسي الأمريكي السابق وعضو المجلس الأطلسي، الأزمة بأنها “مصدر قلق بالغ”، مشيرًا إلى أن استمرار الخلاف بين الرياض وأبوظبي سيُعطل جهود الحل في كل بقعة ساخنة:
“طالما أن السعودية والإمارات لا تتفقان، سيكون من المستحيل حل النزاعات في اليمن، غزة، سوريا، لبنان، والسودان“.
نهاية “العلاقة الأب-الابن”؟
وقد اختفى اليوم ذلك الخطاب الذي وصف بن زايد بـ”المُرشد” لـبن سلمان — وصفٌ كانت الرياض ترفضه من الأساس.
الآن، لم يعد هناك “مرشد” ولا “تلميذ”، بل زعيمان يتنافسان على الريادة، في منطقة لا تحتمل الانقسام بين أقوى حليفيها.
ويبقى السؤال:
هل سنرى نهاية “التحالف الخليجي” الذي بُني على المصالح… أم أن الضغط الأمريكي سيجمع الشتات قبل فوات الأوان؟

