ليست كل الجيرة قرابة ، ولا كل اشتراكٍ في المكان يولّد اشتراكاً في المعنى .
ففي هذه البقعة من الشرق المنهك ، عشنا قروناً نقتسم التراب ذاته ، نشرب من المناخ نفسه ، وننظر إلى الشمس ذاتها ، ومع ذلك بقينا ننظر إلى الإنسان بعيونٍ مختلفة ، ونفهم الحياة بمنطقين متصادمين .
وهنا يبدأ السؤال الذي لا تحبه الخطابات الجاهزة :
لماذا فشل الزمن ، بكل ما راكمه في تحويل الجوار إلى شراكة ؟
لُبّ الموضوع :
من السهل ردّ هذا التنافر إلى العامل الديني أو الاقتصادي أو السياسي او أي عاملٍ آخر .
لكن الدين مشترك ، والفقر في أغلبه مشترك ، والتاريخ السياسي مثقل بالاستبداد على الجميع . ومع ذلك لم يُنتج هذا المشترك وعياً مشتركاً ، ولا أخلاقاً متقاربة ، ولا حتى لغةً متقشفة في العداء .
المشكلة أعمق :
إنها مشكلة منظومة قيم ، لا هوية دينية ولا انتماء قومي .
الكوردي – في عموم تجربته التاريخية – لم يتعامل مع الدين كأداة سيطرة ، بل كمساحة أخلاق شخصية .
لم يُنتج مدارس تكفير ، ولا فقه إبادة ، ولا خطاباً يُلخّص الإنسان في “نحن” ويُلغي كل “هم”.
في المقابل ، تشكّلت لدى خصومه – بفعل السلطة ، والفقه المسلّح ، والإعلام المؤدلج ذهنية ترى في الاختلاف تهديداً ، وفي التنوع مؤامرة ، وفي الآخر مشروع خطأ يجب تصحيحه …
أو محوه .
وهنا تظهر المفارقة الأخلاقية الصارخة :
الطرف الذي يرفع راية الدين ، يُكثر الإفتراء و الكذب باسمه .
والطرف الذي يُتَّهَم بالانفصال ، يلتزم لغة هادئة ، وأدب خطاب ، وضبط نفس ، حتى وهو يُشتم ويُخوَّن .
ولكم في الإعلام عِبَرٌ ودروس … حين يصبح الكذب مهنة
ولم يعد الافتراء زلة لسان ، بل سياسة إعلامية متكاملة .
فضائيات ، محللون ، أكاديميون مفصّلون على مقاس السلطة الجديدة ، يُنتجون خطاباً مسموماً ، يبدأ بتحليل “علمي” وينتهي بآية أو حديث … يُسدل الستار الشرعي على أبشع أنواع التحريض .
هنا لا يكون الكذب خطأً ، بل واجباً .
ولا تصبح الشتيمة انحطاطاً ، بل غيرة على الدين .
ولا يُعدّ التحريض جريمة ، بل قراءة واقعية للمشهد .
لماذا لا نلتقي ؟
لأن اللقاء لا يتم بين نصّين ، بل بين تأويلين للإنسان .
واحد يرى الإنسان كائناً حراً ، يُخطئ ويُصيب ، ويستحق الكرامة لأنه إنسان .
والآخر يراه مشروع طاعة ، أو مادة فرز ، أو رقماً في معركة هو لم يخترها أو أي شيئٍ آخر …
لسنا غرباء لأننا لا نعيش معاً ،
بل لأن بعضنا لا يعترف بحق الآخر في أن يكون مختلفاً .
وحتى يُحسم هذا الصراع ، ستبقى الجغرافيا تجمعنا قسراً ،
بينما تفرّقنا القيم طوعاً …
وهي ، للأسف أكثر عناداً من الخرائط .

