في أبريل 2025، وقّعت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) اتفاقًا مع ما يُسمّى “الحكومة السورية الانتقالية” برئاسة أحمد الشرع (الجولاني)، انسحبت بموجبه من أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في قلب مدينة حلب، محتفظةً فقط بـقوات أمن محلية تحت إشراف محافظة حلب — أي تحت سلطة مباشرة لحكومةٍ لا تعترف بوجود كردي، ولا ترى في الكرد سوى “أعداء علمانيين يجب تطهيرهم”.
اليوم، وبعد أن تُركت تلك القوات الكردية عُرضة للقصف، الاعتقال، السحل، والتمثيل بالجثث، بات من الواضح أن اتفاق نيسان لم يكن تسويةً سياسية، بل فخًّا انتحاريًّا — وُضع بسذاجة أو وهم، أو ربما بكليهما.
1. سذاجة جغرافية: وضع المقاتلين وسط معسكر العدو
الشيخ مقصود والأشرفية ليسا في ريف نائية، بل في قلب مدينة حلب، التي باتت بأكملها — سكانًا، جيشًا، إعلامًا — تحت سيطرة فصائل “النصرة” و”الجيش الوطني” الموالي لأنقرة.
أن تترك قسد مقاتلين كوردًا — من دون دعم ناري، لوجستي، أو ممرات إخلاء — في مثل هذا البؤرة، هو ** يساوي تسليمهم ببطاقة دعوة إلى المقبرة و الاهانات و الخسارة الحتمينة**.
الاتفاق افترض أن “الحكومة السورية” ستحترم وجودهم.
لكن “الحكومة السورية الجولانية” ليست دولة، بل ائتلاف ميليشيات جهادية ترى في العلمانية والقومية الكردية رِدّة تستحق القتل.
فكيف يُعقل أن تثق قسد بأن من يصفهم إعلامه بـ”الجرثومة” سيفتح لهم أبواب الحماية؟
2. خطأ تقييم الخصم: الجولاني ليس “سياسيًّا” بل جهاديًّا وجوديًّا
الخطأ الأكبر لـ”قسد” كان الخلط بين الجولاني و”النظام القديم”.
بشار الأسد كان ديكتاتورًا قوميا، لكنه لم يكن يرى في الكورد “كفارًا” بل أعداء في القومية. أما الجولاني، فهو لا يفاوض من يرى أن وجوده حرام.
عداؤه للكورد ليس سياسيًّا، بل عقائديًّا — يغذيه الخطاب التكفيري لـ”النصرة”، والدعم التركي الذي لا يخفي عداءه للكورد**.
لذا، فإن محاولة “قسد” تقييم الجولاني كـ”شريك محتمل” كان وهماً خطيرًا، لأن الجهادي لا يُدار بمنطق الدولة، بل بمنطق التطهير. قسد تتبع التقييم و التصرف الامريكي حيال الجولاني و هذا أكبر خطأ لأن الجولاني دجاجة بيد الامريكان و لكنه وحش كاسر بصدد الكورد.
3. الوهم الأمريكي: هل ظنّت “قسد” أن ترامب سيحميها؟
وثالث أخطاء “قسد” الاستراتيجية: الثقة العمياء بأن أمريكا ستُجبر الجولاني على الالتزام. أو أن أمريكا ستفرض على الجولاني دولة ديمقراطية و كأن أمريكا حامي حنى الديمقراطية في الوقت أن المال و البترول هي هم أمريكا الوحيد أضافة الى المصالح الاسرائلية.
لكن أمريكا اليوم، تحت إدارة ترامب-روبيو، لا ترى في سوريا سوى “صفقة” — والجولاني قدّم لهم الجولان كهدية، ووعد بمحاربة إيران، فما شأنه بكورد حلب؟ الجولاني سيقوم بضم جميع الدواعش الى جيشة و ينهي بهذه الطريقة حتى داعش. فداعش و الجولاني نفس الشئ.
واشنطن لا تعترف بالاتفاقيات إذا تعارضت مع مصالحها، ولا تُدين المجازر إذا كان الجلّاد “مفيدًا”.
ومن يراهن على “الضمير الأمريكي” في عهد ترامب، فهو يراهن على سراب.
الاستنتاج: وقت الاعتراف بالخطأ وتصحيح المسار
الآن، وبعد أن أُريق دم العشرات من مقاتلي “الآسايش”، وتُركت عائلات نازحة بلا مأوى، لم يعد أمام “قسد” سوى اعتراف صريح:
“لقد أخطأنا في تقييم الجولاني.
لقد خدعنا أنفسنا بوعود أمريكا.
لقد قدّمنا رفاقنا قربانًا لاتفاق وهمي”.
ولأن الاعتراف بالخطأ ليس ضعفًا، بل ذكاءً سياسيًّا، فإن الوقت قد حان لـ:
- إنهاء جميع التفاهمات مع حكومة الجولاني،
- إعلان عدم الاعتراف بها كشريك شرعي،
- إعادة الاعتبار لسياسة الدفاع الذاتي غير المقيّد،
- بناء تحالفات واقعية مع المكونات المهددة (الدروز، العلويين، المسيحيين)،
- وإسقاط وهم “الحماية الأمريكية” نهائياً و لكن عدم معاداتها.
فـمن خانك مرة، قد يخونك مرتين… لكن من خان شعبه باسم “التفاهم”، يخونه إلى الأبد.
والشيخ مقصود اليوم ليست مجرد حيّ محاصر، بل مرآة عارية لسذاجة سياسية كلفت الأرواح.

