الإرهاب حين يُعاد تأهيله سياسياً – بقلم : محمد ديب أحمد

الرهان على تغيّر سلوك الجماعات المتطرفة لمجرد تبدّل خطابها أو مظهرها السياسي رهان خاسر .
ما يجري اليوم في سوريا ، وخصوصاً في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية الكرديين بحلب ، يؤكد حقيقة قديمة : الإرهاب لا يُعاد تأهيله ، بل يُعاد توظيفه .
الفكرة القائلة إن تنظيمات مثل داعش والنصرة يمكن أن تتحول إلى سلطة دولة عبر ارتداء بدلة رسمية ليست وهماً بريئاً ، بل وهم سياسي متعمد .
التغيير الذي حدث لم يكن في البنية أو العقيدة أو السلوك ، بل في اللغة المستخدمة للتسويق الخارجي . أما المضمون ، فبقي كما هو …
الاتفاق الموقع في الأول من نيسان ، والذي نصّ على سحب المقاتلين والإبقاء على قوات الشرطة المحلية ( الأسايش ) ، كان اختباراً عملياً لجدية هذا  التحول .
النتيجة جاءت سريعة وواضحة : الاتفاقات مع هذه القوى لا تُخرق لاحقاً ، بل تُخرق من ساعتها و فوراً .
ما حدث لم يكن عملية أمنية ولا فرضاً للنظام ، بل استخداماً مفرطاً للقوة : دبابات ، مدفعية ، آلاف المسلحين ، في مواجهة أحياء مدنية تحميها قوات محلية خفيفة التسليح .
هذا ليس فشلاً في إدارة الأمن ، بل نجاح في تطبيق منطق العقاب الجماعي .
السحل ، القتل ، رمي الجرحى من الطوابق ، والتكبير المصاحب لذلك ، ليست تجاوزات فردية .
هذا نمط سلوك موثق ، له جذور أيديولوجية ، ويُعاد إنتاجه كلما توفرت له شرعية سياسية أو غطاء دولي .
أما المجتمع الدولي ، فيتعامل مع المسألة بمنطق انتقائي واضح :
الإرهاب مشكلة فقط عندما يهدد المصالح ، لكنه يصبح شريكاً محتملاً عندما يضبط الجغرافيا أو يؤدي وظيفة مرحلية .
أيها السادة ، الكرد الذين واجهوا داعش والنصرة نيابة عن هذا العالم ، اكتشفوا متأخرين أن الذاكرة الدولية قصيرة ، والمصالح أطول عمراً .
وإن إعادة تأهيل الجلاد وتهميش من قاتله ، ليست مفارقة أخلاقية ، بل سياسة ممنهجة .
ومن يرفض الخضوع أو التخلي عن أدوات الدفاع الذاتي ، يُصنّف فوراً كمشكلة يجب احتواؤها أو كسرها .
الخلاصة :
ما جرى في الشيخ مقصود والأشرفية ليس حدثاً محلياً ولا شأناً سورياً داخلياً .
إنها حلقة في سلسلة واحدة تمتد على كامل الجغرافيا الكردستانية .
من بُني على العنف لا ينتج دولة .
ومن مارس الغدر كوسيلة حكم لا يصنع استقراراً .
والتجربة أثبتت أن الرهان على الذئاب لإدارة أمن المنازل ليس خطأ أخلاقياً فقط ، بل خطأ سياسياً قاتلاً .
وكل كردستان اليوم ليست في حالة انفعال ، بل في حالة وعي .
والدرس واضح :
مع هذه القوى ومع هؤلاء الذئاب ،  لاتنفع شعارات طوباوية ، ولا تُبنى شراكات
 … بل تُرسم الحدود ، حمايةً للأحياء ، ورأفةً بأبنائك وأحفادك من أن يلقّوا يوماً من الأعالي ، او تُنتهك إنسانيتهم  وهم أحياء .