لا يمكن فهم مشروع أحمد الشرع (الجولاني) في سوريا من خلال عدسة “الرئيس الإسلامي” التقليدي الذي يريد تحويل البلاد إلى “دولة إسلامية” كغيرها من الدول العربية.
الجولاني لا يرى في الإسلام دينًا روحيًّا أو نظامًا أخلاقيًّا، بل نسقًا كاملاً يشمل الدنيا والآخرة، السياسة والثقافة، اللغة والهوية — وفي قلب هذا النسق، يحتل الاسلام السياسي و القران مكانة الدستور المطلق، لا كتابًا لله فقط، بل مرجعًا نهائيًّا لكل تشريع، ولكل هوية، ولكل انتماء.
وهنا تكمن جوهر معضلة الكرد مع الجولاني:
ليس لأنهم “علمانيون” أو “انفصاليون”، بل لأنهم قومية لها أرض، ولغة، وتاريخ، وحق في تقرير المصير — وهو ما لا يتناسب مع رؤيته “الأمة الإسلامية” التي تُعلي من العروبة باعتبارها لبّ الدين نفسه.
في مرسومه الأخير حول الكرد، لم يعترف الجولاني بهم كـ**”قومية”** أو “شعب على أرضه”، بل كـ**”جماعة وطنية”** — مصطلح فقهي-إسلامي يعود إلى العصور الوسطى، حين كان غير العرب في الدولة الإسلامية يُسمَّون “الموالي”:
- لهم حقوق مدنية محدودة،
- لكن لا حق لهم في الهوية السياسية المستقلة،
- ولا في اللغة كأساس للدولة،
- ولا في الأرض ككيان جغرافي-سياسي.
ومن هنا، جاءت صياغة المرسوم:
- “اللغة الكردية لغة وطنية” — أي ثقافية، لا رسمية.
- “النوروز عيد وطني” — أي احتفال شعبي، لا تعبير عن هوية قومية.
- “الكورد جزء من الشعب السوري” — أي ضمن إطار “الأمة العربية الإسلامية”، لا كأمة منفصلة.
كل هذا يتماشى مع نظرية “خير أمة أُخرجت للناس”، التي تجعل العروبة مركز الكون الإسلامي:
“النبي عربي، والقرآن عربي، وكلام أهل الجنة عربي” — كما يرد في الحديث الذي يُنسب إلى النبي محمد.
وفي هذا السياق، الاعتراف بالكرد مشروط:
- أن يقبلوا بأن العربية لغة الله،
- وأن الثقافة العربية هي ثقافة الرسالة الخالدة،
- وأن سوريا “عربية” حتى في جذورها الوجودية.
المشكلة التاريخية للكرد داخل “الأمة الإسلامية” — كما يشير النص — ليست في مقاومتهم، بل في تصديقهم المفرط للخطاب الديني السائد:
- صدّقوا الحديث النبوي عن فضل العروبة،
- قدّسوه،
- بل وعبدوا العروبة باسم الدين.
لكن اليوم، ومع بروز وعي قومي كوردي حديث، لم يعد الكورد مستعدين لأن يكونوا “موالي” في دولة تُعلّي من شأن العروبة باسم الإسلام.
ومن هنا، تصادمهم مع الجولاني ليس سياسيًّا فحسب، بل وجوديًّا:
- هو يريد دمجهم في “الأمة” عبر إذابة هويتهم.
- وهم يريدون الاعتراف بهم كأمة ذات حق في الأرض والحكم.
ما يميز الجولاني — كزعيم سابق لجبهة النصرة — هو إيمانه العميق بأن الإسلام ليس دينًا فحسب، بل نظامًا مغلقًا:
- الدين = الدولة = الثقافة = اللغة = الهوية.
- ومن يرفض هذا النسق، فهو خارج “الأمة”، أو “منحرف” يجب تصحيحه.
لذلك، فإن أي مطالبة كردية بالفدرالية أو الحكم الذاتي تُقرأ في عقل الجولاني كـ”ردة سياسية”، لأنها تُفكك وحدة “الأمة” التي لا تقبل التجزئة.
مرسوم الجولاني حول الكرد ليس خطوة نحو الاندماج، بل دعوة للخضوع:
“كونوا جزءًا من الأمة… بشروطنا، وبإذلال هويتكم”.
وطالما أن مشروعه يقوم على “الاسلام دستورًا” و**”العروبة لبّ الإسلام”، فلن يكون هناك مكان للكرد كـشعب**، بل فقط كـتابعين.
والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم:
هل يُمكن لقومية أن تعيش بكرامة في دولة ترى في وجودها خطرًا على “وحدة الأمة”؟

