قصّوا الجدائل … فأنجبوا أمةً تنهض من الدم ولا تُقصّ إرادتها – بقلم : محمد ديب أحمد

نداء إلى الشعب الكردي في الأجزاء الأربعة والشتات
ما يُرتكب اليوم على أيدي مرتزقة الجولاني وزبانيته ليس مجرد تجاوزاتٍ عابرة ولا أخطاء حرب يمكن تبريرها أو طمسها ، بل هو
 مشروع إرهابٍ ممنهج ، عقيدة سوداء قائمة على الذبح والتنكيل والتشفي ، تتكدّس فيها الجرائم حتى باتت أكثر من أن تُحصى ،
 وأقبح من أن تُحتمل . وحين يخرج مجرمٌ ليتباهى علنًا بقصّ جديلة مقاتلة كردية بعد أن قضت نحبها غدرًا ، وهي تدافع عن كرامة الأرض والعِرض ، فنحن لا نكون أمام فعلٍ شاذ أو نزوة قاتل ، بل أمام بيانٍ عقائديٍّ صريح يقول لنا : هذا عدوّ يرى في الجسد الكردي غنيمة ، وفي الموت وسيلة إذلال ، وفي الكرامة هدفًا للدهس .
إن قصّ الجدائل بعد القتل ليس تفصيلًا عابرًا ، بل رسالة احتقارٍ متعمدة ، طعنٌ في شرف أمةٍ بأكملها ، ومحاولة بائسة لكسر صورة المرأة الكردية المقاتلة التي هزمت داعش ووقفت في وجه أعتى آلة إرهاب عرفها العصر الحديث . لكنهم يجهلون ، أو يتجاهلون ، أن الجدائل في الذاكرة الكردية ليست شعرًا فقط، بل هوية ، وأنثى تقاتل ، وأمّ شهيد ، وراية لا تنكسر .
والأكثر فظاعةً من الجريمة نفسها هو صمت العالم ، بل تواطؤه الوقح . تُفتح الأبواب الدولية على مصاريعها للإرهابي أبي محمد الجولاني ، وتُفرش له السجادات الحمراء ، بينما ما تزال دماء ضحاياه شاهدة عليه في الساحل السوري ، وفي السويداء ، وفي كل بقعةٍ مرّت بها جحافله تحت ذرائع واهية وافتراءات مكشوفة . الصور والفيديوهات ما زالت موجودة ، الجرائم موثّقة ، لكنّها أُزيحت جانبًا لأن العهر السياسي العالمي قرر أن المصالح أقدس من الإنسان ، وأن دم الكرد رخيص في بورصة النفوذ .
بل إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يتوانى في كل مناسبة عن تقديم الجولاني وزبانيته بوصفهم رجال المرحلة ، متناسيًا – أو متغافلًا عمدًا – أن سنةً واحدة من استيلائهم على السلطة كانت كافية لفضح حقيقتهم كقتلة لا مشروع لهم سوى إعادة تدوير الإرهاب بثوبٍ جديد . سنة واحدة كانت مليئة بالمجازر ، بالانتقام الطائفي ، وبمحاولات إخضاع الشعوب بالقوة . واليوم ، وبعد أن أُعطيت لهم صكوك الغفران الدولية ، يُطلق لهم العنان ليصبّوا جام حقدهم على الشعب الكردي .
وهنا نصل إلى جوهر الجريمة الأكبر :
 الشعب الكردي يُستهدف لأنه كردي . هذا الشعب الذي قدّم أكثر من خمسة عشر ألف شهيد في مواجهة داعش ، دفاعًا لا عن نفسه فقط، بل عن الإنسانية جمعاء ، ليحيا العالم بأمان ، يُكافَأ اليوم بأن يُترك وحيدًا في فوهة مدافع الإرهاب . يُكافَأ بأن تُطلق يد القتلة من جديد ، وأن يُربّت على أكتافهم ، وأن يُطلب من الكرد الصمت ، أو ضبط النفس ، أو انتظار جولة خيانة جديدة .
هكذا تُدار الخيانة التاريخية بحق الكرد :
بذاكرةٍ انتقائية ،
وبصمتٍ مخزٍ ،
وبوقاحةٍ لا تعرف الخجل .
لكن ما لا يفهمه أعداؤنا ، ولا من يقفون خلفهم ، أن قصّ الجدائل لا يقصّ الهوية ، وأن الذبح لا يقتل الأمة ، وأن الدم الكردي حين يُسفك لا يضيع ، بل يتحول وعيًا، وغضبًا، وإرادة . ما نشهده اليوم من غليانٍ في الشارع الكردستاني، ومن عبور الآلاف إلى روج آفا ، ليس فوضى ولا اندفاعًا أعمى ، بل إعلانًا تاريخيًا عن وحدة المصير ووحدة الدم. هو صوت كردستان الواحدة ، من أجزائها الأربعة ، ومن الشتات ، يقول بوضوح :
 انتهى زمن التفرّج .
نحن لا ننكر الأصوات الأصيلة من باقي المكونات التي وقفت معنا ، لأن من يملك ضميرًا حيًا يدرك أن ما يُرتكب بحق الكرد اليوم هو جريمة بحق الإنسان كله . لكننا نقولها بلا مواربة ولا مجاملة: الإرهاب يستهدفنا نحن أولًا ، ومسؤولية المواجهة تبدأ منا ، من وعينا ، من وحدتنا، ومن استعدادنا لتحمّل تبعات الكرامة .
إلى أبناء شعبي ، إلى كل كرديٍّ حر في روج آفا ، وفي باشور ، وفي باكور ، وفي روجهلات ، وفي المنافي والشتات :
هذه ليست لحظة حياد ، بل لحظة اصطفاف تاريخي . ليست لحظة بيانات شجب، بل لحظة تعبئة . إمّا أن نكون بقدر دماء شهدائنا ، أو نُترك فرادى ليُعاد ذبحنا تحت عيون العالم . إمّا أن نرفع صوتنا كأمة واحدة ، أو يُفرض علينا الصمت بالقوة .
جدائل شهيداتنا التي قصّوها ستتحول رايات ،
ودماؤهم الطاهرة ستكتب الفصل الأخير من هذه المرحلة السوداء .
أمّا هم ، مهما صافحتهم العواصم ، ومهما غسلتهم السياسة ، ومهما غُلّفت جرائمهم بخطاب الاستقرار  ، فسيبقون قتلة في ذاكرة الشعوب ، ولعنة في تاريخ هذه الأرض .
وسيظل الشعب الكردي واقفًا ،
لأن الأمة التي تنجب هذا العدد من الشهداء ،
وتنهض بعد كل خيانة ،
أمةٌ لا تُهزم … بل تعود أصلب ، أوضح ، وأكثر استعدادًا للدفاع عن حقها في الحياة .
بقلم : محمد ديب أحمد