ما يجري في سوريا اليوم لم يعد قابلاً للتفسير بلغة التحفّظ الدبلوماسي أو المجازات السياسية . نحن أمام نموذج حكم يتأسّس على العنف الممنهج ، ويُدار بعقلية إقصائية تعتبر القتل أداة شرعية لإعادة تشكيل المجتمع ، لا نتيجة جانبية لحرب .
من الساحل السوري ، حيث مورست الجرائم ضد المكوّن العلوي كهوية جماعية ، إلى السويداء التي استُبيحت بذريعة التطابق العقائدي ، وصولاً إلى المناطق الكردية ، يتكرّر النموذج ذاته بلا رتوش :
هوية تُستهدف ،
مجتمع يُرهب ،
جرائم تُرتكب علناً ثم تُبرَّر سياسياً .
الأخطر ليس عدد الضحايا فحسب ، بل طبيعة هذه الجرائم المتعمدة .
التمثيل بالجثث ، رمي مقاتلات بعد استشهادهن ، قصّ الجدائل ، والتباهي بذلك عبر منصات الإعلام ، لا يمكن تصنيفها كحوادث ميدانية معزولة أو أفعال أفراد ، بل هي خطاب سلطوي مكتمل الأركان ، غايته تحطيم الرموز ، وإذلال المجتمعات ، وإرسال رسالة واضحة :
لا مكان لمن يختلف .
ورغم وضوح هذا السلوك ، يُعاد تقديم مرتكبيه دولياً بوصفهم شركاء محتملين في مستقبل سوريا .
تُفرش لهم المنابر ،
وتُغسل جرائمهم بلغة الواقعية السياسية ،
ويُسوَّق قادتهم كـ«رجال المرحلة» .
هنا ، لا يعود السؤال أخلاقياً ، بل سياسياً بامتياز :
أي استقرار يمكن أن يُبنى على جماجم المدنيين ؟
لكن العنف ، حين يتحوّل إلى سياسة ، لا يولّد الطاعة ، بل يعيد تشكيل الخصوم .
وهنا جاءت النتيجة المعاكسة تماماً لما خُطِّط له .
بدلاً من تفكيك المجتمع الكردي ، أسهم هذا الإجرام في إعادة توحيده .
وحدة لم تُفرض بقرار حزبي ،
ولا صُنعت ببيانات ، بل فُرضت بواقع الدم المشترك .
توحّد الكُرد في أجزائهم الأربعة ، وفي المهجر والشتات ،
وسقطت عملياً الحدود التي رُسمت في الخرائط بعدما أثبتت عجزها عن تفكيك الوعي السياسي الكردي .
لم تعد المسألة خلافاً سياسياً عابراً ، بل إدراكاً جمعياً بأن ما يُمارَس مشروع إلغاء شامل ، وأن الرد الوحيد الممكن هو وحدة الموقف والذاكرة والهدف .
المفارقة أن الجماعات التي رفعت شعار “التمكين و التمدّد”، لم تُنتج سوى نتيجة واحدة :
تعرية ذاتها أمام العالم ، وتعزيز الشعور الكردي بأن القضية لم تعد محلية ولا مؤجلة ، بل قضية وجود لا تقبل المساومة أو التدوير .
صحيح أن القوى الدولية قد تنجح في فرض وقائع مؤقتة ، وقد يُعاد تدوير المجرمين بواجهات سياسية أكثر قبولاً ، لكن التجربة التاريخية تؤكد أن العنف المؤسَّس على العنصرية لا يصنع استقراراً ،
بل يؤجّل الانفجار .
وفي الحسابات السياسية الباردة ، فإن أبرز نتائج هذه المرحلة أن إجرام هذه الجماعات وعنصريتها لم تُضعف الكُرد ، ولم تُخرجهم من المعادلة ، بل أعادت صياغتهم كقوة سياسية أكثر تماسُكاً ، وأكثر وضوحاً في تعريف خصمها ، وأقل قابلية للكسر .
لقد أرادوا تفكيك شعب … فوحّدوه .
وأرادوا دفن قضية … فأعادوها إلى قلب المشهد .

