ليس ما يتعرض له الكورد في سوريا اليوم على يد عصابات الجولاني الارهابية حدثاً معزولاً عن سياقه التاريخي بل يمثل امتداداً مباشراً لمسار طويل من الاستهداف المنهجي الذي طال الشعب الكوردي في أكثر من بلد فالتاريخ الحديث للكورد يكشف نمطاً متكرراً من العنف المنظم تتبدل فيه الأنظمة والرايات والاعلام لكن تبقى الضحية ذاتها وسط صمت دولي يثير التساؤل ويستفز الضمير الإنساني، وفي العراق شكلت مرحلة حكم حزب البعث المجرم واحدة من أكثر الفترات قسوة في تاريخ الكورد الفيليين فقد تعرض مئات الآلاف منهم لسياسات القتل وإسقاط الجنسية والتهجير القسري والمصادرة الجماعية للأموال والممتلكات في إطار حملة منظمة استهدفت وجودهم القومي والمذهبي معاً ولم تكن تلك الإجراءات مجرد تدابير أمنية عابرة بل جزءاً من رؤية إقصائية سعت إلى إعادة تشكيل الخريطة السكانية وإبعاد الأصلاء من نسيج المجتمع العراقي وان الجرائم لم تقتصر على التهجير عبر الحدود بل شملت أيضاً اعتقال آلاف الشباب الفيليين واختفائهم قسراً في السجون حيث تشير الارقام إلى تغييب أكثر من 22 ألف شاب فيلي ما يزال مصيرهم مجهولاً حتى اليوم وهذه الممارسات حملت طابعاً جماعياً ومنهجياً واضحاً ما دفع جهات قانونية وحقوقية إلى تصنيف ما جرى ضمن جرائم ضد الإنسانية بل واعتباره شكلاً من أشكال الإبادة الجماعية ومع ذلك ورغم مرور عقود على تلك المآسي ما زالت العدالة الكاملة بعيدة المنال وما تزال جراح العائلات مفتوحة تبحث عن الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر واليوم مع تصاعد التطورات الأمنية في سوريا يستحضر كثير من الكورد تلك الذاكرة الأليمة وهم يشاهدون مشاهد القتل والابادة والنزوح والانتهاكات التي تطال مناطقهم فصور العائلات الهاربة والقرى المدمرة والخوف المزمن من المجهول تعيد إلى الواجهة مخاوف قديمة من أن يكون الكورد مرة أخرى ساحة لتصفية الصراعات الإقليمية والدولية والربط بين ما جرى في العراق سابقاً وما يحدث في سوريا اليوم لا يقوم فقط على التشابه في هوية الضحايا بل أيضاً على تشابه المنهج فالفكر الإقصائي القائم على إنكار التعدد القومي والمذهبي والثقافي والذي تبنته أنظمة استبدادية وقوى استكباريه عالمية في المنطقة أسست لبيئة عنف ممتدة عبر الحدود وهذه البيئة نفسها استغلتها لاحقاً عصابات متطرفة مثل القاعدة وداعش الذي ارتكبوا فظائع واسعة بحق مختلف المكونات في العراق وسوريا مستفيدين من الهشاشة السياسية والإرث الطويل من القمع وخطابات الكراهية وان داعش لم يكن ظاهرة منفصلة عن سياق المنطقة بل نتيجة تراكمات من الاستبداد فعندما سيطر على مساحات واسعة عام 2014 كشف حجم الانهيار الذي يمكن أن تؤول إليه المجتمعات عندما يترك التطرف لينمو في ظل الفراغ والفوضى ومع ذلك يجد الكورد في سوريا أنفسهم اليوم أمام واقع أمني هش وانتهاكات جسيمة تشمل القتل والتهجير القسري وأشكالاً متعددة من التضييق ويخشى كثيرون أن يؤدي استمرار الصراع وتعقد المشهد الإقليمي إلى إعادة إنتاج دوامة عنف مشابهة لتلك التي عانى منها الفيليون في العراق ولكن هذه المرة في سياق سوري أكثر تشابكاً وتداخلاً في المصالح الدولية وفي ظل هذه التطورات تبرز ضرورة أن ترتفع الأصوات مطالبة المجتمع الدولي بعدم الاكتفاء ببيانات القلق بل التحرك الجاد لوقف نزيف الدم والعنف والتهجير بحق أي انسان في الكون وان تجاهل معاناة المدنيين تحت وطأة الصراعات والانتهاكات يعكس ازدواجية في المعايير حيث تتقدم الحسابات السياسية والاقتصادية على مبادئ حقوق الإنسان وحماية الشعوب وان ما يحدث اليوم لا يهدد الكورد وحدهم بل يطرح سؤال أوسع حول مستقبل التعايش في المنطقة والعالم فالتقاعس عن ردع الانتهاكات التي يتعرض لها الكورد في سوريا على يد عصابات الجولاني الارهابية يفتح الباب لتكرارها ضد مجتمعات أخرى وتحت ذرائع مختلفة وبين ذاكرة الفيليين في العراق وواقع كورد سوريا تتجدد الحاجة إلى موقف دولي واضح يضع حداً لمسلسل الدم ويؤسس لعدالة حقيقية تضمن عدم تكرار المأساة وتصون كرامة الإنسان وحقه في العيش بأمان على أرضه.

