تراجيديا الجدران: حين تخاف الخرائط زفير الأحرار – بوتان زيباري

 

في دهاليزِ السياسةِ المظلمة، حيثُ تُحاكُ المكائدُ وتُطوى الجغرافيا كما تُطوى الأكفان، يظنُّ واهمو الهيمنةِ أنَّ الجنوبَ صارَ قيدَ الانقياد، وأنَّ الشامَ أضحتْ في دفاترِ حساباتِهم مجردَ رماد. لكنَّ القلقَ الذي يسكنُ صدورَهم يرتدُّ اليومَ شطرَ الشرق، نحو بلادِ “فارس”، ليس خوفاً من جغرافيا مرئية، بل هرباً من ظلالِ الحقيقةِ التي تُطاردُ أرواحَهم المتعبة. إنها المفارقةُ الكبرى؛ سياسةٌ ترتجفُ من “الاحتمال” أكثرَ من يقينِ الكارثة، وتاريخٌ يقفُ في الزاويةِ يبتسمُ بمرارةٍ من ثقةِ الجلادِ التي لا تعدو كونَها قناعاً لضعفٍ مستتر.

يتسامعون في غرفِهم المغلقةِ عن تشييدِ سواترَ وعوازلَ خلفَ الحدود، متذرعين بفيضانِ اللجوءِ إن اهتزَّ عرشُ طهران. واهيةٌ هي الحججُ حين تكونُ الجدرانُ من ورق، فالحدودُ المحصنةُ بالأسلاكِ والحديدِ لا تردعُ الأفكار، واللاجئُ ليس هو الخطرُ الحقيقي، بل تلك الصرخةُ المكبوتةُ التي توشكُ أن تنفجرَ في رحمِ المركزِ المتهاوي. إنهم يخشون ميلادَ زمنٍ جديد، تتشكلُ فيه ملامحُ كياناتٍ وأقاليم، يكونُ “لكوردستانِ إيران” فيها صوتٌ يجهرُ بالحق، وهذا وحده كفيلٌ بأن يسرقَ النومَ من أجفانِ عروشِهم المثقلةِ بالإنكار.

إنَّ هذا الوجعَ المزمنَ ليس أمنياً ولا ديموغرافياً في جوهرِه، بل هو رعبُ الهويةِ وسطوةُ الروحِ الحرة. قلقٌ يسكنُ أصحابَ القصورِ من كوردٍ قرروا التنفسَ خارجَ الأقفاصِ الصدئة، مطالبين بكرامتِهم في كلِّ بقعةٍ شربتْ من دماءِ شهدائِهم. في “أناضول” يُحرمُ فيه الملايينُ من لغةِ الأم، وفي “شامٍ” تحالفوا فيها مع سوادِ الظلامِ لوأدِ أيِّ بارقةِ أملٍ كوردية. إنَّ “فوبيا الكورد” التي تسكنُ مفاصلَهم جعلتْ من أبسطِ الحقوقِ زلزالاً، ومن كلمةِ “ديمقراطية” تهديداً وجودياً يهدُّ أركانَ بنيانِهم الواهن. هذا الذعرُ ليس سياسةً رشيدة، بل هو عجزٌ أخلاقيٌّ فاضحٌ يلبسُ عباءةَ السيادة.

أيها الواهمون، ما الذي أصابَ بصائرَكم؟ لماذا ترتعدُ فرائصُكم كلما تلا الكورديُّ سورةَ حريتِه؟ لطالما تشدقتم بكلماتِ الأخوةِ والوحدة، لكنْ أيُّ أخوةٍ هذه التي تقتاتُ على الإلغاء، وأيُّ وحدةٍ تُشيَّدُ بكتلِ الإسمنتِ والمناطقِ العازلة؟ إنَّ الوحدةَ التي تخشى الاعترافَ بالآخرِ هي سجنٌ بأسماءٍ منمقة، والأخوةَ التي ترتجفُ أمامَ شمسِ الحريةِ ليست إلا بضاعةً كاسدةً للاستهلاكِ الإعلامي.

كفوا عن مطاردةِ الأشباحِ في ليلِ عجزِكم، فالحقُّ لا يذبلُ خلفَ الأسلاك، والشعبُ الكورديُّ لا يتبخرُ لأنَّ خرائطَكم الورقيةَ تأبى رسمَه. التاريخُ لا يحترمُ من يعادي نبضَ الحياةِ وتوقَ الشعوب، بل يمضي فوقَهم بهدوءٍ، تاركاً إياهم في غبارِ النسيانِ يتساءلون: كيفَ ضاعَ الوقتُ ونحنُ نغلقُ الأبوابَ في وجهِ الفجر؟ إنَّ إرادةَ الشعوبِ أقوى من مقصاتِ الجغرافيا، والروحَ التي ذاقتْ طعمَ الحريةِ لن تعودَ أبداً إلى القمقم، مهما علت الجدرانُ أو تمددتِ العوازل.

السويد

30.01.2026