في السياسة ، لا تُقاس الاتفاقات بما يُقال عنها ، بل بما يُضمره أطرافها ، وبما يسمح به ميزان القوة ساعة التوقيع .
ومن هذا المنظور ، لا يبدو الاتفاق الأخير بين قيادة قوات سوريا الديمقراطية ودمشق حدثًا استثنائيًا بقدر ما هو حلقة جديدة في سلسلة طويلة من “اتفاقات الضرورة” التي فرضها الواقع ، لا الثقة .
دمشق التي لم تُعرف يومًا بثبات الموقف أو احترام الشراكات ، لم تدخل هذا الاتفاق من باب القناعة ، بل من باب العجز المؤقت .
فهي سلطة اعتادت إدارة التنوع بوصفه خطرًا ، والحقوق بوصفها منّة ،
والسياسة بوصفها حيلة مؤجلة .
لذلك ، فإن أي قراءة ساذجة للاتفاق بوصفه تحولًا بنيويًا في عقل الدولة السورية ، ليست سوى ترف تحليلي لا يسمح به التاريخ القريب ولا البعيد .
ومع ذلك ، فإن ما جرى لا يمكن اختزاله بالخداع وحده .
فدمشق لم تمنح شيئًا مجانًا ، بل اضطرت للاعتراف – ولو عمليًا – بواقع فرضه الصمود العسكري والسياسي في روج آفا .
بقاء القوات الكردية موحّدة في مناطقها واستمرار قوى الأسايش في إدارة الأمن الداخلي ، حتى مع الحديث عن “إدماج” شكلي ، ليس تفصيلًا تقنيًا ، بل إقرارًا غير معلن بأن كسر هذه التجربة لم يعد ممكنًا دون كلفة لا تملك دمشق رفاهيتها .
السخرية هنا أن الخطاب الرسمي لا يزال يتحدث بلغة “السيادة الكاملة”، بينما الوقائع تقول إن هذه السيادة نفسها باتت مجزأة ، تفاوضية ، ومشروطة .
والدولة التي كانت ترفض الاعتراف بأي خصوصية ، تجد نفسها اليوم مضطرة للتعايش معها ، لا حبًا بها ، بل عجزًا عن إلغائها .
أما البنود المتعلقة بعفرين وسري كانيه ، فهي الامتحان الذي لا يقبل التأجيل .
فإما أن يتحول الاتفاق إلى مسار حقيقي يعالج واحدة من أخطر عمليات التغيير الديموغرافي في سوريا المعاصرة ، أو يُضاف إلى أرشيف طويل من النصوص التي كُتبت لتُخالف ، ووُقّعت لتُنقض .
في الخلفية ، لا يمكن تجاهل العامل الدولي . فالدعم الذي حظيت به روج آفا لم يكن يومًا بدافع المثالية ، بل لأنها أثبتت أنها شريك فعلي في أكثر معارك المنطقة حساسية .
وهنا تكمن المفارقة الساخرة :
القوى الكبرى لا تحترم المبادئ بقدر ما تحترم من يعرف كيف يحمي نفسه ويُبقي أوراقه بيده .
الكورد في هذه المرحلة ، لا يفاوضون من موقع الضحية ،
ولا من وهم النصر الكامل ،
بل من موقع من تعلّم – بتجارب قاسية – أن الاتفاق مع أنظمة لم تغيّر جلدها يتطلب حذرًا مضاعفًا ، وضمانات عملية ، لا بيانات سياسية .
الخلاصة أن الاتفاق ليس بداية سلام ولا نهاية صراع .
إنه لحظة توازن هش ، فُرضت بقوة الصمود لا بحسن النوايا .
وفي شرقٍ اعتاد أن يلدغ بعد المصافحة ، يبقى السؤال الحقيقي ليس : ماذا وُقّع ؟
بل من يملك القدرة على فرض تنفيذ ما لا يرغب الطرف الآخر أصلًا بالالتزام به ؟


السيد محمد ديب أحمد المحترم.
تحية.
“روج آفا…”. = الغرب = The West
للاطلاع:
https://sotkurdistan.net/2026/01/19/%d9%83%d9%88%d8%b1%d8%af%d8%b3%d8%aa%d8%a7%d9%86-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d9%8a%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b5%d8%b7%d9%84%d8%ad-%d8%a7%d9%84%d8%b0%d9%8a-%d8%ad%d8%a7%d9%88%d9%84%d9%88%d8%a7-%d8%a5/
محمد توفيق علي