فجر الذات الكوردية: في مديح الأرض ونقد الوهم الأيديولوجي – بوتان زيباري

في غمرة التحولات التي تعصف بجغرافيا الوجع، وأمام انكسارات الضوء على نبالة القضية، يبرز السؤال الوجودي الأكبر: إلى متى تظل الروح الكوردية رهينةً لأوهام الأخوة الزائفة وأغلال الأيديولوجيات المستوردة؟ إن ما نعيشه اليوم ليس مجرد صراع سياسي عابر، بل هو مخاض عسير لولادة إنسان كوردي يعيد اكتشاف ذاته بعيدًا عن عباءة الجار الغادر الذي يتلوى كالأفعى، يمنحك ملمسًا ناعمًا وفي ثناياه سمٌّ زعاف. لقد آن الأوان لنكف عن الانحناء أمام جلاد يحكمنا بالحديد والنار منذ قرن من الزمان، ثم يدعي الأخوة في موائد النفاق؛ فمن يستبيح لغتك، ويهتك سترك، ويسرق ثروات أرضك في ديار بكر وماردين وباتمان، ليس أخًا بل هو محتل غاصب، والاعتراف بغير ذلك ليس إلا سذاجة سياسية وانتحارًا وجوديًا يندى له جبين الأحرار

إننا نقف اليوم أمام مشهد سريالي، حيث تتلاشى قوى الدولة التركية وتصارع سكرات ضعفها أمام إرادة شعبنا وضربات القدر الدولية، ومع ذلك نجد بين جلدتنا من يمارس “الثرثرة الفارغة” ويبيعنا أوهام “أخوة الشعوب” التي لم تجلب لنا سوى الويلات. تباً لكل أيديولوجيا تُقيد يد الكوردي عن نصرة أخيه؛ تباً للينينية والستالينية وكل مسميات “الرفاق” التي استُخدمت كمخدر لشل الوعي القومي. كيف لمن يزعم الثورية أن يرتمي في أحضان الإمبراطوريات ثم يحاضر في معاداة الإمبريالية؟ إن من يساعد الكوردي في محنته، ولو كان كائناً لا يعقل، لهو أقرب إلينا من “رفيق” يطعننا في الظهر بمدية القومية الطورانية المقنعة. إن سياستنا اليوم يجب أن تنبع من “القبلة الكوردستانية” وحدها، بعيداً عن صالونات السياسة الرخيصة التي تتاجر بدماء الشهداء وتجعل من قضيتنا ورقة ضغط في يد هذا النظام أو ذاك.

لقد علمتنا أحداث “روج آفا” وكوباني أن القوة لا تُستجدى، وأن الحق الذي خلفه “البيشمركة” و”المقاتلون” هو وحده الذي يُرغم العالم على الانحناء. عندما نرى السناتور “غراهام” أو الرئيس “ماكرون” يتحدثون عن ضمانات دستورية لحقوق الكورد، فإن ذلك لم يكن منحة منهم، بل هو ثمرة صمود شعبنا الذي صار كالسيل الجارف. إن محاولات زرع الفتنة بين أطراف البيت الكوردي، سواء كان ذلك بالهجوم على البارزاني أو التشكيك في المقاومة، هي خدمة مجانية لأعدائنا. الكوردي الحقيقي هو من يكون “كردستانياً” قلباً وقالباً، يرفض التبعية لأحزاب اليسار التركي التي تتسلق على أكتافنا في ديار بكر لتمثيلنا، وهي في جوهرها لا ترى فينا إلا أرقاماً انتخابية. كفى استغفالاً لعقولنا؛ فالحرية لا تُوهب من خلال الاندماج في منظومات القمع، بل تُنتزع بالوعي والوحدة والتمسك بالهوية الأصيلة.

إن المستقبل يكتبه هؤلاء الذين خرجوا في الساحات يرفعون علماً واحداً هو علم كوردستان، ويهتفون بشعار واحد: “يَك، يَك، كوردستان يَك” (واحدة، واحدة، كوردستان واحدة). لقد سقطت الأقنعة عن الأنظمة التي تدعي الإسلام وهي تفتك بالكورد، وعن الأحزاب التي تدعي الاشتراكية وهي تمارس الشوفينية. إن دعوتي الصادقة لكل صاحب ضمير: كن كوردياً وكفى، اجعل أرضك هي معيار الصواب والخطأ. لا تثق بالأفاعي التي تغير جلودها بين ليلة وضحاها، ولا ترهن مستقبلك لوعود “شام” أو “أنقرة”. نحن أمة عريقة لها لغتها وتاريخها، ولن يحررنا إلا إيماننا بأننا لسنا “توابع” لأحد، بل نحن أسياد قدرنا، وصناع فجرنا القادم من بين ركام التضحيات وعنفوان الجبال الشامخة.

بوتان زيباري

السويد

03.02.2026