الوطن أولاً : حين تنقلب الأحزاب من وسيلة سياسية إلى غاية مغلقة – بقلم : محمد ديب أحمد

 

ليس هذا النص بياناً ضد الأحزاب ،
ولا محاكمةً للمناضلين ،
ولا مراجعةً انتقائية لتجربةٍ دون أخرى .
هو محاولة هادئة لوضع الأمور في سياقها الطبيعي ،
حيث يبقى الوطن هو الأصل ،
وتبقى الأحزاب ـ مهما عظمت تضحياتها ـ وسائل سياسية لا أكثر .
في مجتمعاتٍ دفعت أثماناً باهظة دفاعاً عن كرامتها ووجودها ،
يصبح الخلط بين الوفاء والنقد خطراً ،
وبين الاحترام والتقديس كارثةً مؤجَّلة .
لسنا هنا لنُخاصم الانتماء ،
بل لنُذكّر بأن الانتماء الحقيقي لا يكتمل إلا حين لا يُصادَر العقل ،
ولا يُعلَّق الوطن على صورة ،
ولا يُختصر في حزبٍ أو قائد .
ليس من السهل الحديث عن الحزبية في مجتمعاتٍ دفعت أثماناً باهظة ،
ولا من اللائق التعامل مع التضحيات بخفةٍ أو استعلاء .
لكن الأصعب ، وربما الأخطر ،
هو تحويل هذه التضحيات إلى درعٍ يمنع النقد ،
وإلى قداسةٍ تُجمِّد العقل باسم الوفاء .
لسنا بصدد إدانة حزبٍ بعينه ،
ولا قائدٍ محدد ،
ولا تجربة سياسية بعينها .
نحن أمام ظاهرة عامة ،
تتكرّر بأسماء مختلفة ،
وألوانٍ متبدّلة ،
ونتائج متشابهة :
حين يصبح الحزب هو الوطن ،
ويغدو القائد بديلاً عن العقل .
كثيرون منّا يعتقدون أنهم وطنيون ،
وربما هم كذلك في النيّة ،
لكن الوطنية لا تُقاس بالشعور وحده ،
بل بالمرجعية عند الاختلاف .
اسأل نفسك سؤالاً بسيطاً :
حين يتعارض قرار الحزب مع مصلحة الناس ، إلى أين تميل؟
وحين يخطئ القائد في اجتهاده ،
هل تدافع عن الخطأ أم عن الحقيقة ؟
أم تدخل في منطقةٍ رمادية تُبرِّر كل شيء باسم المرحلة ؟
هنا يبدأ الامتحان الحقيقي ،
وهنا تسقط كثير من الشعارات .
الشعوب الحرة تحترم قياداتها ، لكنها لا تُقدِّسها .
فالتقديس يُلغي المساءلة ، والمسؤول الذي لا يُسأل ،
يتحوّل سريعاً من خادمٍ عام
إلى مالكٍ للقرار .
والسخرية المؤلمة في تجربتنا السياسية أن الطاعة صارت تُقدَّم بوصفها وعياً ،
وأن من يطرح سؤالاً
يُطالَب أولاً بإثبات انتمائه
قبل مناقشة فكرته .
هكذا يصبح المواطن مشروعَ متَّهم ،
ومن يخرج عن السرب
يُتَّهَم إمّا بالخيانة ، أو بالسذاجة ،
أو بعدم فهم تعقيدات المرحلة .
والمرحلة ـ كما نعلم ـ
لا تنتهي أبداً .
المشكلة لا تكمن في وجود الأحزاب ، فغيابها كارثة ،
ولا في الانتماء إليها ،
فذلك حقٌّ سياسي مشروع ،
بل في تحويل الحزب إلى غايةٍ نهائية ، وفي اختزال الوطن
في برنامج ، أو بيان ،
سادتي الأعزاء ،
الأحزاب ، مهما عظمت تضحياتها ،
تبقى اجتهاداتٍ بشرية ،
تُصيب وتُخطئ ،
تتقدّم وتتراجع ،
وتخضع لميزان النقد لا لطقوس التقديس .
ولنكن صريحين مع أنفسنا :
نحن جميعاً لسنا أبرياء من هذا المشهد .
كلّنا تشابهنا في لحظةٍ ما ،
سكتنا أكثر مما ينبغي ،
أو دافعنا بدافع العاطفة لا القناعة .
والاعتراف بذلك
ليس جلدَ ذات ،
بل بداية تصحيح .
طموحنا ـ إن أردنا اختصار كل هذا الكلام ـ
أن نكون شعباً ينتمي إلى الوطن أولاً ،
ويرى في الأحزاب
وسائلَ متغيّرة لا قدراً أبدياً ،
وفي القادة
شخصياتٍ تُحترم ،
لكنها تُسأل ،
وتُحاسَب ، ولا تُؤلَّه.
الأحزاب تتغيّر ،
والسياسيون يذهبون ويجيئون ،
أما الوطن ،
إن حُمِي بالوعي لا بالهتاف ،
فإنه يبقى …
ويبقى…
ويبقى .
والسخرية هنا ليست للتجريح ،
بل للتنبيه :
أن أبسط طريقٍ لضياع القضايا العادلة ، ليس خيانتها ،
بل تحريم السؤال عنها .
بقلم : محمد ديب أحمد