مَواثيقُ القِيامةِ: صَرخةُ الأرضِ في وَجهِ الرَّماد –  بوتان زيباري

مِن شقوقِ “زاغروس” يَنبثقُ صوتُنا، نحيباً يتمردُ على الرِّيح، نحنُ الذينَ سَقينا شجرَ البلوطِ دماً كي لا ينحنيَ للعواصف، فكيفَ يصيرُ الحلمُ في مهبِّ الفلسفةِ ذنباً؟ وكيفَ يغدو محرابُ “ميديا” قرباناً لمن سلبوا الشمسَ من مآقينا؟ يقولونَ: “احذروا نورَ الفجرِ في الجهاتِ الأربع”، وينسجونَ من خيوطِ الوهمِ كفناً لدولةٍ لم تُولد بعد، أيُّ كفرٍ هذا الذي يجعلُ الحقَّ خطيئةً، والسيادةَ عبئاً، ويطلبُ من الكورديِّ أن يخلعَ جلدَهُ ليلبسَ عُريَ الجهات؟ يا بني “كاوة”، إنَّ الدُّخانَ الذي لا يبني قلعةً هو رمادٌ تذروهُ الخيبة، عقودٌ مضت والقرى تحترقُ كبخورٍ في معابدِ التكتيك، والجبالُ تئنُّ من وقعِ خُطىً تسيرُ في دوائرِ العبث.

أنا لا أؤمنُ بنبوءةٍ تهدمُ بيتي لتقيمَ خيمةً للغريب، ولا بثورةٍ تجعلُ من صدري درعاً لمن يقيدُ معصمي، فالدولةُ ليست قفصاً، بل هي الرئةُ التي تتنفسُ بها الأمم، ومَن باعنا سرابَ “الأممية” في سوقِ القومياتِ العاتية، قد نسيَ أنَّ الذئبَ لا يهوى الحوار، بل يهوى الفريسةَ العزلاء. لُدغنا من جحورِ الوعودِ حتى صارَ الوجعُ هويتنا، وصارَ “التدبيرُ للمنع” سيفاً يُشحذُ بمبردِ الفلسفةِ الهشّة، لكنَّ التاريخَ لا يرحمُ مَن يئدُ حلمَهُ بيديه، ولا يكتبُ الخلودَ لمن يخشى أن يكونَ سيداً في داره. إنَّ معياري هو الأرضُ التي تعرفُ أقدامَ أبنائِها، والسماءُ التي لا تمطرُ إلا لتزهرَ كوردستانَ الواحدة، فكلُّ نصٍّ ينزعُ عنّا درعَ الحِميةِ هو صدىً للقيد، وكلُّ دربٍ لا يؤدي إلى العلمِ هو تيهٌ لا ينتهي.

سنبقى نحرسُ شعلةَ الإمكان، رغماً عن المنعِ والمانعين، فالحريةُ نارٌ لا تنطفي، والسيادةُ وعدُ الأنبياءِ للأرضِ الجريحة. إن مَن يرى في احتمالِ الدولةِ خطراً يستوجبُ الاحتواء، إنما يشرعنُ بقاءنا في غياباتِ الجبِّ إلى الأبد. نحنُ لا نحتاجُ إلى فلسفةٍ تفسرُ لنا قيودنا، بل إلى إرادةٍ تحطمُ الأغلالَ وتصنعُ من التضحياتِ كياناً مهاباً. السيادةُ هي الكرامةُ في أسمى تجلياتها، وهي الحصنُ الذي يحمي هويتنا من الذوبانِ في هوياتِ الآخرين. لذا، سيبقى كفاحنا موجهاً نحو الشمس، ونحو الدولةِ التي تلمُّ شتاتنا، فما بعدَ الدولةِ ترفٌ لا يملكهُ من لا يزالُ يبحثُ عن مأوىً تحتَ شمسِ الحرية.

بوتان زيباري

السويد

14.02.2026