ألحكم المحلي … حين يصبح الجهل رأياً سياسياً – بقلم : محمد ديب أحمد

ليس أخطر على النقاش العام من أن يتحول الجهل بالمصطلحات إلى موقفٍ سياسي .
فبعض الأصوات ، كلما سمعت عبارة الحكم المحلي ، سارعت إلى إطلاق مفردات الانفصال والتقسيم وكأنها حقائق مسلَّم بها ، بينما هي في الواقع استنتاجات مبنية على سوء فهم أو توظيفٍ مقصود للالتباس .
وهذا المقال موجَّه أولاً إلى الداخل ؛
إلى تلك الأفواه التي لا ترى في الإدارة المحلية سوى عنوانٍ للريبة ، ولا تقرأ في تجربةٍ صاغتها تضحيات آلاف الشهداء إلا شبهة مشروعٍ غامض .
فمن غير المقبول أن تتحول تضحيات الدم إلى مادة مزايدة ، أو أن يُختزل نقاشٌ قانوني دستوري عميق في شعاراتٍ تخوينية عابرة .
الحكم المحلي ، في جوهره ليس مشروع دولة داخل دولة ، ولا سلطة تنازع المركز سيادته .
هو آلية إدارية حديثة لتوزيع المسؤوليات داخل الدولة الواحدة ، بحيث تُدار شؤون الناس حقوقهم اليومية من اعترافٍ بالهوية  وخدمات وبلديات وتعليم وصحة وبنية تحتية بأيدي ممثليهم المنتخبين ، ضمن إطار الدستور والقانون الوطني .
السيادة الوطنية — الدفاع ، السياسة الخارجية ، العملة ، الحدود وقد تتشارك فيها قوات الاقليم مع قوات المركز — تبقى بيد الدولة .
وكل من يخلط بين الإدارة المحلية والسيادة ، إنما يخلط بين تنظيم الخدمات وتنظيم الخرائط .
حتى في دول راسخة مثل ألمانيا أو الولايات المتحدة ، تتوزع الصلاحيات بين مستويات الحكم وفق نصوص دستورية واضحة ، ومع ذلك تبقى الدولة واحدة والسيادة واحدة .
الفارق ليس في وحدة الوطن ، بل في كفاءة إدارته .
وللتوضيح أكثر ، فإن الحكم المحلي ليس سقفاً نهائياً جامداً ، ولا عنواناً فضفاضاً بلا حدود .
 هو يبدأ من الإدارة المدنية المحلية بصلاحيات خدمية وتنفيذية واضحة ، ويتدرج — بحسب الإطار الدستوري ضمن أشكال تنظيم الدولة ، وقد يمتد الى الفيدرالية ، دون أن يعني ذلك بالضرورة مساساً بوحدة الدولة أو سيادتها .
ويجب معرفة إن المطالبة بالحقوق ضمن إطار الإدارة المحلية ليست تنازلاً ، وليست فطوراً على البصل بعد صيام الدهر ، كما يروّج البعض بسخريةٍ شعبوية .
بل هي قراءة واقعية لموازين القوى ، ومحاولة عقلانية لترسيخ الحقوق في نصوص قانونية قابلة للحماية والتطوير .
سيداتي وسادتي الأعزاء
لكم نقول أن الحقوق لا تُصان بالشعارات ، بل تُحصَّن بالمؤسسات .
أما للعنصريين والشوفينيين ، الذين يتغذّون على خطاب التخويف ويقدّمون كل مطلبٍ إداري باعتباره مشروع تقسيم ، فليكن واضحاً :
هذا المسار لا يستهدف تفكيك البلاد ، بل يسعى إلى تقوية أواصرها عبر إشراك أطرافها وكل أطيافها وألوانها في إدارة شؤونها .
الدولة القوية ليست تلك التي تحتكر القرار ، بل تلك التي توزّع المسؤولية وتحتضن تنوعها ضمن عقدٍ دستوري جامع .
والمشكلة ليست في الحكم المحلي ، بل في القراءة السطحية له .
والدولة الحديثة لا تقوى بالمركزية الخانقة ، ولا تضعف بتوزيع المسؤوليات .
بل على العكس ، كلما اقترب القرار من المواطن ، ازدادت الدولة رسوخاً وثقة .
و تحويل مفهوم الحكم المحلي إلى فزاعة سياسية لا يخدم إلا خطاب التخويف ، ولا يعكس إلا فقراً في الفهم الدستوري .
فهو ليس توزيعاً للوطن ،
بل توزيعاً للأعباء ؛
وليس تقسيماً للسيادة ،
بل تنظيماً للإدارة .
ومن أراد أن يعارض ،
فليعارض بعلمٍ لا بضجيج ،
وليتسلّح بالمعرفة قبل أن يلوّح بالشعارات .