ليسوا أرقاماً … بل أبناؤنا- ملفّ المفقودين امتحانٌ للضمير السياسي – بقلم : محمد ديب أحمد

ليست قضية المفقودين والأسرى مجرد ملف إنساني عابر في سجل النزاع السوري ، بل هي واحدة من أكثر القضايا حساسيةً وأثراً في الوجدان الكردي اليوم .
خلف كل اسم حكاية بيتٍ ينتظر ،
وأمٍّ تترقب ، وأبٍ يحاول أن يتمسك بأملٍ لا يسنده خبرٌ مؤكّد .
هؤلاء الشباب لم يكونوا مجهولين في مسار الأحداث ،
كانوا في الخطوط الأمامية في كوباني والرقة ودير الزور ، وواجهوا تنظيم داعش في ذروة تمدده ، ضمن شراكة ميدانية واضحة مع التحالف الدولي .
دفعوا ثمناً باهظاً دفاعاً عن مناطقهم ، وعن عالمٍ كان يرى في هزيمة الإرهاب أولوية مشتركة .
اليوم ،
 وبعد كل تلك التضحيات ، يلفّ الغموض مصير المئات وربما الآلاف — ممن هم في عداد الأسرى أو المفقودين لدى جهات مرتبطة بما يُعرف بـ « الحكومة المؤقتة » ، أو ضمن تشكيلات مسلحة تُقدَّم إعلامياً بوصفها  جيشاً وطنياً  .
السؤال الذي يتردد في كل بيت : أين هم ؟
بين المصالح والالتزامات
إذا كانت العلاقات الدولية تُدار بلغة المصالح ، فإن الحد الأدنى من الشراكة السياسية والأخلاقية يفرض على القوى المؤثرة ، وفي مقدمتها الولايات المتحدة ودول التحالف ، متابعة مصير من قاتلوا إلى جانبهم .
الصمت الطويل لا يبدد الأسئلة ،
 بل يضاعفها ، ويترك فراغاً يملؤه الألم والشك .
هذه ليست مطالبة عاطفية ، بل استحقاق سياسي نابع من شراكة معلنة في الحرب على الإرهاب .
 فكما كانت المعركة مشتركة ، فإن مسؤولية ما بعدها لا يمكن أن تكون انتقائية .
وفي هذا السياق ، تكتسب التحركات السياسية في أوروبا أهمية خاصة ،
 فوجود شخصيات كردية فاعلة ، مثل إلهام أحمد وروهلات عفرين ، داخل أروقة البرلمان الأوروبي في بروكسل ، يفتح نافذة سياسية يمكن من خلالها وضع ملف  المفقودين مع ملفات اخرى على طاولة النقاش الأوروبي بوضوح وجرأة .
وإن إدراج هذا الملف ضمن أولويات الخطاب الكردي في المحافل الدولية ليس خياراً ثانوياً ، بل ضرورة أخلاقية وسياسية ، لأن تحويل الألم إلى قضية مطروحة رسمياً هو الخطوة الأولى نحو كسر جدار الصمت .
مسؤولية الداخل قبل الخارج
ولا يمكن تعليق الملف كله على شماعة الخارج . كما لا ينبغي أن تتقاعس مؤسسات الإدارة الذاتية ، وكذلك القيادة العسكرية في قوات سوريا الديمقراطية ، عن تحويل هذا الألم الشعبي إلى مسار عمل مؤسساتي واضح ومعلن .
وذلك عبر :
– تشكيل هيئة رسمية دائمة لملف الأسرى والمفقودين .
– توثيق قانوني احترافي بالأسماء والوقائع والشهادات .
– تحرك دبلوماسي منظم نحو العواصم المؤثرة .
– مطالبة علنية بضمانات قانونية بشأن أوضاع المفقودين والمختطفين وفق قواعد القانون الدولي الإنساني .
وبإعتقادي يجب ان يدار هذا الملف بهدوء وحزم ، بعيداً عن الانفعال ، وهي السبيل الوحيد لحمايته من التسييس الفوضوي أو الاستغلال الإعلامي .
وإن تأجيل هذا الملف لا يطوي صفحته ، بل يراكم كلفته السياسية على الجميع .
ولا يمكن إنكار أن بعض المناطق شهدت انخراط مجموعات محلية في اقتتال مؤلم  وانتهاكات خطيرة . لكن تحميل منطقة او شعب  بأكمله مسؤولية أفعال أفراد او جماعات سيهدد النسيج الاجتماعي الهش أصلاً .
إذن المطلوب هو مسار مساءلة قانوني واضح ، لا خطاب تعبوي يفتح أبواب صراعات جديدة .
 والعدالة المنظمة أقوى من الغضب العابر .
ملف المفقودين اليوم ليس فقط قضية عائلات منكوبة ،
بل اختبار لثلاثة مستويات :
– اختبار لجدية الخطاب الدولي حول حقوق الإنسان .
– اختبار لفعالية الدبلوماسية الكردية وقدرتها على تحويل الشراكات العسكرية إلى التزامات سياسية .
– اختبار لثقة الداخل بقياداته في لحظة حساسة .
إنهم ليسوا أرقاماً في جداول الحرب ، بل أبناء هذا الشعب ، حملوا عبء المواجهة مع الإرهاب ، ودفعوا ثمناً يتجاوز أعمارهم الفردية .
الجرح عميق ،
والغموض قاسٍ ، لكن السياسة ليست إدارة مشاعر بل إدارة ملفات . وإذا لم يُفتح هذا الملف بجدية ويُتابَع بإصرار ، فإن الصمت سيتحوّل إلى ندبة سياسية مفتوحة .
أسماؤهم يجب أن تبقى حاضرة على كل لسان ،
وفي الخطاب السياسي ، وفي المراسلات الدولية ، وفي الإعلام ، حتى تتكشف الحقيقة كاملة .
لأنهم ليسوا أرقاماً … بل أبناؤنا .
بقلم : محمد ديب أحمد

2 Comments on “ليسوا أرقاماً … بل أبناؤنا- ملفّ المفقودين امتحانٌ للضمير السياسي – بقلم : محمد ديب أحمد”

  1. ملف المفقودين لاتفتحه قيادة قسد ولا الادارة الذاتية لانه سيظهر حقيقة الاعداد الهائلة من المقاتلين الكرد الذين تركوا لمصيرهم لكي يواجه المجهول على شركاء اخوة الشعوب بالامس وهم الذين نكلوا بالمقاتلين لانه كانوا معاً على الجبهات وغدروا بهم وقتلوا بعضهم والبعض الاخر اسروا وسلموا لفصائل التابعة لتركية والمنضوية شكلياً تحت لواء الجيش العربي السوري. هؤلاء المفقودين لن ينكشف مصيرهم الا بالمظاهرات العارمة في كل انحاء اوروبا للمطالبة بالكشف عن مصيرهم واطلاق سراحهم ان كانوا احياء او تسليم جثثهم ان استشهدوا.

    1. الغضب مفهوم، لكن تحويل الملف إلى صدام تعبوي قد يضرّ أكثر مما يفيد. المطلوب ليس فقط رفع الصوت، بل بناء مسار قانوني ودبلوماسي يُلزم الجميع بكشف الحقيقة.

Comments are closed.