٣\٣\٢٠٢٦
تستكشف هذه الدراسة العلاقة بين غريزة البقاء في أقليم كوردستان العراق وظهور أنماط الفساد بوصفه اضطرابًا نفسيإجتماعيًا ناتجًا عن ضغوط عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي. تحلل الدراسة كيف أدت الظروف التاريخية للنزاع، والهشاشة المؤسسية، ونقص الموارد، إلى نشوء أشكال مختلفة من الفساد كإستجابة جماعية لغريزة البقاء.
١- الفساد كإضطراب نفسيإجتماعي
يمكن النظر إلى الفساد ليس فقط كظاهرة قانونية أو إدارية، بل كـاضطراب نفسيإجتماعي يعكس خللاً في النظام القيمي والسلوكي للمجتمع نتيجة ضغوط غريزة البقاء. وفقًا لنظرية الضغوط النفسية الجماعية، يظهر الفساد في بيئات تتميز بعدم الاستقرار، حيث تصبح سلوكيات النفع الشخصي فی سوء استخدام الموارد و وسائل البقاء في مواجهة المخاطر.
٢- غريزة البقاء والتحولات المؤسسية
توضح النظرية التطورية الاجتماعية أن غريزة البقاء لا تقتصر على الفرد، بل تمتد إلى الجماعة والمؤسسات. في أقلیم كوردستان، أدت الهشاشة المؤسسية والنزاعات المتكررة إلى تطوير أنماط تكيّف مؤسسي، بعضها مشروع لتعزيز الأمن، وبعضها الآخر ظهر على شكل فساد أو استغلال الموارد كوسيلة لضمان استمرارية النفوذ والسيطرة.
٣- البُعد النفسي والاجتماعي
تتحول الصدمات المتكررة مثل النزاعات والهجرات القسرية، إلى صدمة جماعية (Collective Trauma) تؤثر على الهوية الجمعية. وتظهر الدراسات أن هذه الصدمات قد تدفع بعض الفاعلين الاجتماعيين إلى آليات دفاعية مؤسسية تشمل المحسوبية، الرشوة، وتجاوز الأنظمة الرسمية كوسيلة للحفاظ على الموارد أو النفوذ، وهو شكل من أشكال التعبير عن غريزة البقاء.
٤- السياق التاريخي والاجتماعي
شهد أقليم كوردستان العراق تحولات عنيفة على مدى القرن العشرين، مثلا”: حملات الإبادة الجماعیة التی قامت بها الدولة المركزية تحت عنوان عمليات الأنفال عام ١٩٨٨، و مأساة الهروب الجماعی سنة ١٩٩١ و من ثم حرب الإبادة التی قامت بها الدولة الإسلامیة فی العراق و الشام (داعش) بإحتلال سنجار سنة ٢٠١٤ ، أدت جميعها إلى تدمير القرى وتشريد السكان إضافة إلی القتل والسلب والأسر. هذه التجارب التاريخية فی كوردستان عامة، وأقلیم كوردستان العراق خاصة، جعلت المجتمع یعید تشكيل شبكاته الاجتماعية والمؤسساتية بطريقة تضمن البقاء، سواء عبر التضامن الاجتماعي أو عبر استراتيجيات اقتصادية ونفوذية أحيانًا غير رسمية.
٥ – الفساد كإستجابة لغريزة البقاء
في بيئة تتميز بالضعف المؤسسي، يصبح التحكم في الموارد المالية والمشاريع العامة أداة للبقاء المؤسسي. مثلاً، قد تُستخدم المحسوبية أو التوزيع غير العادل للوظائف لضمان ولاء الجماعات المحلية، وهو ما يعكس تكيّفًا استراتيجيًا قائمًا على غريزة البقاء وليس فقط السلوك الفردي المصلحي.
تبدو مظاهر الفساد في عمليات صنع القرار، حيث يلتف الأفراد حول بروتوكولات غير رسمية لضمان أمنهم الوظيفي والاجتماعي. ويؤدي هذا إلى تحولات مؤسسية تتسم بالمرونة الشكلية، لكنها تعكس ضعف القيم المؤسسية الصلبة. هنا یمكن معالجة الفساد كمرض بدلا من تسییسه أو إتهام القائمين به قبل المعالجة.
تماما” كما تنتقل جمیع الأمراض المعدیة من إنسان إلی آخر ینتقل الفساد أیضا” لیعدی أی فرد كان فی المجتمع المصاب. الفساد، من هذا المنظور، ليس فقط سلوكًا اقتصاديًا، بل استجابة نفسية لضغوط البقاء. فالأفراد الذين يعيشون في بيئات غير مستقرة غالبًا ما يختارون الوسائل القصوى لتأمين مواردهم، سواء أكان ذلك عبر النفوذ السياسي أو الاستغلال المالي، وهي آليات دفاع نفسي جماعي.
خاتمة
يمكن القول إن غريزة البقاء لدى إقليم كوردستان العراق لا تتجسد فقط في السلوكيات الفردية أو الجماعية، بل تتفاعل مع البيئة المؤسسية لتشكيل أنماط مختلفة من السلوك، بما في ذلك الفساد كـإضطراب نفسيإجتماعي. هذه الظاهرة تمثل تكيّفًا مزدوجًا: من جهة استجابة للبقاء، ومن جهة أخرى تحديًا للحوكمة المؤسسية. لذلك، أي سياسات إصلاحية يجب أن تراعي البُعد النفسي والاجتماعي للمجتمع، وتعزز المرونة المؤسسية لتقليل الضغوط التي تولّد الفساد، مع الحفاظ على ثقافة الصمود الجماعي.
قائمة مراجع مختارة
- Baram, A. (1991). “The Kurdish Uprising and Its Aftermath.” Middle East Journal.
- Human Rights Watch (1993). Genocide in Iraq: The Anfal Campaign Against the Kurds.
- Rose-Ackerman, S. (1999). Corruption and Government: Causes, Consequences, and Reform.
- McDowall, D. (2004). A Modern History of the Kurds.
- Kaufmann, D., Kraay, A., & Mastruzzi, M. (2010). “The Worldwide Governance Indicators: Methodology and Analytical Issues.” World Bank Policy Research Working Paper.
- Ahmad, (2020). Corruption as a contagious psychosocial disorder, a conceptual analysis. Duhok Medical Journal، 14(1), 19-28.

