مما لاشك فیه أن الحرب الجارية منذ ٢٨\٢\٢٠٢٦ بین إیران من جهة و الولايات المتحدة الأمریكیة بالتعاون مع إسرائیل من جهة أخری، هی ليست حرب الشعوب فی المنطقة، ومنها الكورد، بل هی حرب بین سلطتین غاشمتین لا يهمها مصیر الشعوب بقدر ما تهمها مصالحها الإقتصادية والمبدئیة التی بدأت تسیر فی طريقها إلی إمحاء بعضها البعض بقوة سلاحها المدمر التی كونتها هاتان السلطتان المتحاربتان عالميا وهما تقودان المبدأ الإسلامي الشیعی المتطرف من قبل إيران فی طرف والرأسمالية المتعجرفة من قبل الولایات المتحدة الأمریكیة فی الطرف الآخر، كلاهما تمتلكان القوة الكافية لتجاوز القوانين العالمية وتسبب الشلل فی أروقة الأمم المتحدة.
القرار السیاسی الحكیم للأحزاب الكوردیة عامة لازال يتبع إرادة الشعب بتوحيد شعب و أرض و قوی كوردستان، الأمر الذی وحد الكورد موخرا فی جمیع أجزاء كوردستان و المهجر بشكل تأریخی منقطع النظير، وذلك بفضل نموذج روژئاڤا فی أزمته الحالية التی سببتها عجرفة الرئيس الأمریكی الحالي بانسحابه من التحالف معه فی محاربة تنظيم الدولة الإسلامیة “داعش”، و ذلك بتسليم أمره للحكومة الإنتقالية فی دمشق بدلا من الإدارة الذاتية فی روژئاڤا.
تشكل الحروب بصورة عامة لحظات مفصلية في حياة الشعوب، إذ لا تقتصر آثارها على الدمار المادي والخسائر البشرية، بل تمتد بعمق إلى البنية النفسية والاجتماعية للمجتمعات. ويُعد الشعب الكوردي من الشعوب التي عاشت تاريخًا طويلًا من الحروب و الصراعات والتحولات السياسية، الأمر الذي جعل الحالة النفسية الجماعية للكورد مرتبطة بشكل وثيق بتجارب الحرب والتهديد وعدم الاستقرار. وفي ظل الحرب الجارية في المنطقة، يواجه الكورد تحديات نفسية معقدة تتراوح بين القلق الجماعي، والإجهاد النفسي، والشعور المستمر بعدم اليقين.
الصدمة الجماعیة
من الناحية النفسية، غالبًا ما تولد الحروب حالة من الصدمة الجماعية، حيث تتراكم تجارب الخوف والنزوح وفقدان الأحبة لتشكل ذاكرة جماعية مثقلة بالألم، كما حدث فی كوردستان خلال عمليات الأنفال عام ١٩٨٨، و مأساة الهروب الجماعی سنة ١٩٩١ و من ثم حرب الإبادة التی قامت بها الدولة الإسلامیة فی العراق و الشام (داعش) بإحتلال سنجار سنة ٢٠١٤ . هذه الذاكرة لا تؤثر فقط في الجيل الذي يعيش الحرب مباشرة، بل تنتقل آثارها إلى الأجيال اللاحقة من خلال السرديات العائلية والثقافية. لدى الكورد، تتداخل هذه الصدمة مع تاريخ طويل من الصراعات السياسية والتهجير، مما يعمق الشعور بالهشاشة والتهديد الوجودي لدى بعض فئات المجتمع.
المرونة النفسیة
في وقت الحرب، تُظهر المجتمعات الكوردية أیضا قدرًا ملحوظًا من المرونة النفسية. فالهوية الثقافية القوية، وروابط العائلة الممتدة، والتضامن الاجتماعي، تلعب دورًا مهمًا في تخفيف آثار الحرب. كثيرًا ما تتحول المعاناة إلى مصدر لتعزيز التضامن الداخلي، حيث تتشكل شبكات دعم اجتماعي تساعد الأفراد على التكيف مع الظروف الصعبة. علی سبيل المثال، كانت نسبة إضطراب ما بعد الصدمة (PTSD. ) لدی أطفال الهروب الكبير فی سنة ١٩٩١ فقط ٢٠% مقارنة بهروب مماثل فی جنوب لبنان سنة ١٩٨٣ حیث كانت النسبة أكثر من ٨٠%. لكن رغم هذه المرونة، لا يمكن تجاهل الآثار النفسية طويلة الأمد للحروب. إذ قد يعاني الأفراد من اضطرابات مثل القلق المزمن، والاكتئاب، واضطراب ما بعد الصدمة، خاصة بين الأطفال والشباب الذين ينشأون في بيئة مشبعة بالعنف وعدم الاستقرار. كما أن استمرار الصراع يعزز حالة من التوتر النفسي المستمر، حيث يعيش الناس بين الأمل في الاستقرار والخوف من تجدد العنف.
من جهة أخرى، تلعب وسائل الإعلام والخطاب السياسي دورًا مهمًا في تشكيل الحالة النفسية العامة. فالتغطية المستمرة للأحداث العنيفة، والخطابات التي تركز على التهديد أو الصراع، قد تزيد من مستويات القلق والخوف في المجتمع. في المقابل، يمكن للخطابات التي تركز على الصمود والأمل وإعادة البناء أن تسهم في تعزيز الصحة النفسية الجماعية.
المناعة النفسیة
بالإمكان حالیا” تزوید الأطفال (٦- ١١ سنة) والمراهقين (١٢- ١٨ سنة) بلقاح نفسی “سیپكا” خلال الأزمات، حروبا” كانت أو أوبئة مرضية أو أزمات تطور طبیعیة) لحمایتهم من الأمراض النفسیة التی قد تحدث لديهم فی المستقبل نتيجة تأثرهم بالجروح النفسیة التی تولدها تلك الأزمات والتی لا تلتئم دون تشخيص دقيق و علاج مناسب. تم إختراع سیپكا فی بیت متین الصحی “ساخلهمخانا مهتین” فی دهوك، أقلیم كوردستان العراق، كما یمكن الحصول علی المراجع حول سیپكا فی هذا الرابط .
في الختام، يمكن القول إن الوضع النفسي للكورد في الحرب الجارية يتسم بالتعقيد، إذ يجمع بين تجارب الألم والصدمة من جهة، ومظاهر الصمود والمرونة من جهة أخرى. إن فهم هذا الوضع النفسي يتطلب مقاربة متعددة الأبعاد تأخذ في الاعتبار العوامل التاريخية والثقافية والاجتماعية. كما أن دعم الصحة النفسية في المجتمعات المتأثرة بالحرب يجب أن يكون جزءًا أساسيًا من أي جهود لإحلال السلام وإعادة بناء المجتمع.
٧\٣\٢٠٢٦

