الانزلاق نحو الحروب: دوافع الصراع البشري – خديجة مسعود كتاني

 

تنبع دوافع البشر للانزلاق نحو حروب مدمّرة من مزيجٍ معقّد من العوامل النفسية والسياسية والاقتصادية. ومن أبرز هذه العوامل: الخوف على أمن البلدان، والسعي وراء السلطة والنفوذ والموارد، والصراعات الأيديولوجية، وروح الانتقام. ومن أخطر نتائج هذه العوامل تجريد الطرف الآخر من إنسانيته في ظل تصعيد الصراع، مما يحوّل الدفاع عن الهوية والكرامة إلى عنفٍ شامل.

ويُعدّ الخوف من التهديدات المحتملة محرّكاً أساسياً للصراعات؛ إذ قد تسعى الدول إلى حماية نفسها عبر هجومٍ استباقي، أو رغبةً في تحقيق نفوذٍ متوقّع من خلال الاستحواذ على الموارد الاقتصادية أو السيطرة على الأراضي، سعياً لفرض هيمنةٍ جيوسياسية. وغالباً ما تدفع هذه العوامل القوى الصاعدة أو المسيطرة إلى خوض الحروب.

كما تلعب المعتقدات الدينية والقومية دوراً حاسماً في تعبئة الشعوب وتبرير العنف ضد الآخرين، إذ تتشكل أحياناً ما يمكن تسميته بعقلية الهوية، التي تولّد عداءً تلقائياً تجاه المجموعات المختلفة، وقد تُصنَّف هذه المجموعات على أنها أعداء، مما يسهّل عملية القتل والتدمير.

وفي أحيانٍ أخرى يلجأ بعض القادة إلى إشعال الحروب لتشتيت الانتباه عن الأزمات الداخلية، نتيجة ضعف الكفاءة أو قلة الفطنة في معالجة المشكلات الأساسية، مما يؤدي إلى تفاقم الأوضاع وتصعيدها حتى تتحول إلى صراعات شاملة ومدمّرة. وقد يكون الدافع أحياناً هو السعي للانتقام من هزائم أو مظالم سابقة.

ومع ذلك، لا يمكن اعتبار العنف فطرةً بيولوجية خالصة لدى الإنسان، بقدر ما هو ظاهرة تنشأ نتيجة تفاعل تاريخي وثقافي واجتماعي معقّد.

وفي هذا السياق يبرز السؤال القديم المتجدد: لماذا يتقاتل البشر؟ وهو سؤال ظلّ يؤرق الأذهان كلما اشتدّ غبار المعارك في بقعةٍ من هذه الأرض التي لم تهدأ فيها الصراعات.

يحاول الباحث الإيرلندي من أصل كرواتي سينيشا مالشيفيتش الإجابة عن هذا السؤال في كتابه المعنون: لماذا يتقاتل البشر؟، والذي يحمل عنواناً فرعياً هو: الديناميات الاجتماعية للعنف البشري. وقد ابتعد المؤلف في تحليله عن تفسير القتال بدوافع فردية بحتة، مركزاً على الأهمية المحورية للسياقات الاجتماعية والتاريخية التي تجعل القتال ممكناً.

يرى المؤلف أن القتال ليس صفة لصيقة بالفرد، بل هو ظاهرة اجتماعية تتشكل من خلال علاقات الأفراد مع بعضهم البعض. ومن خلال مقابلات أجراها مع مقاتلين من بلدان ومناطق مختلفة من العالم، توصّل إلى أن قابلية القتال هي ظاهرة سياقية، تتشكل ضمن منطق أيديولوجي وتنظيمي محدد.

ومن هنا يطرح مفهوم “المقاتلة الاجتماعية” بوصفه إطاراً تفسيرياً لفهم القتال المباشر. إذ يخضع المؤلف دراسته لمجموعة من العمليات القتالية والحروب المختلفة، محاولاً استكشاف الآليات العملية التي تعمل ضمن هذا المفهوم، بما يسمح بفهم التفاعل بين المؤشرات البنيوية والتغيرات المكانية والزمانية التي تهيئ الظروف للقتال الجسدي.

ويقود ذلك إلى دراسة ما يسميه المؤلف “الديناميات الاجتماعية” المسببة للعنف البشري. والمقصود بالديناميات الاجتماعية هو دراسة القوى النفسية والعمليات التفاعلية التي تحكم سلوك الأفراد داخل الجماعة، وكيفية تغيّر هذه التفاعلات عبر الزمن. وتشمل هذه الدراسة التغيرات في العلاقات والأدوار والصراعات والروابط بين الأفراد، مما يؤثر في أداء الجماعة ككل، وليس في السلوك الفردي فحسب.

كما يمكن فهم الديناميات الاجتماعية على أنها الأنماط المتغيرة والقوى الدافعة التي تميّز جماعة بشرية أو مجتمعاً محلياً، وتحدد مسارات تطوره وتحولاته عبر الزمن.

 

هەلامەتێ جەنگێ و تێلا کەل …  د٠ مسعود مصطفى الكتاني … ١٤/١/١٩٩١ … شبح الحرب والسلك الحامي

  1. طایێ زەیتوینێ      ڤێجا      بلند      کەن
  2. بو جەنگ هەلبونێ      بەس   تێلێ   توند کەن
  3. گەرماتیا گەفا        پەڕا   ژێ  کوند کەن
  4. وان ئاشتی    دەفا       پڕ   ڕێز  و   فند کەن

 

***

  1. وی دوژمنی             تەنایی      تێک   بر
  2. ئاگر بن  پیا              ئەو  سەختە  ڕێک بر
  3. بێ جویڤ  نەدڤیا        هێژ   والسەرێک   بر
  4. دەشتێ  ئو   چیا          ناڤ چاڤ لێ تێک بر

***

  1. ئەو جهێت پیروز        هاتن        وەرگرتن
  2. ئینانێ بالیوز گەڕیان     و  فڕتن
  3. جەمباز و داڤدوز دیارن        سرتن
  4. جەوا دێ بیت توز ئازا هەر    خورتن

***

  1. ئەو هاتنو چونە      پەیڤن     و   هیڤی
  2. ئەڤ ئاشتی بونە کو  یابوی    کویڤی
  3. دەنگ بلند بونە        یا     بوی    نشیڤی
  4. (شەیتان) خربون وەک گورگا ورویڤی

***

  1. نێ  مفا     نەدا             ئەم دێ کەینە  شەڕ
  2. جەنگێ توخ ڤەدا     کربو  سەرو   بەر
  3. کەسێ دەست نەدا کەس  نە هاتە  بەر
  4. ڤێ بـ كەڤن قەدا           هەچێ   بوی   ئەگەر

***

  1. گەرم ببو ئەو جەنگ ڕابون        فڕوکە
  2. ئازریا پاسەنگ    پلان   یا       بوکە
  3. عيراق كره دەنگ         لێدان        یا کوکە
  4. ئینا سەر ئەو سەنگ کریە     بەروکە

***

  1. عيراقێ ئەو چەک نێ    ژشولێ  وانە
  2. مویشەک و فیشەک کارخانێت      وانە
  3. دیار کرن زەبلەک   نێ     روژا    وانە
  4. هاتنو چون بویلەک   وان   جهـ    گویفانە

***

  1. جەند وان كر خەبات هەمی مان   دامای
  2. وەسا بجهـ نەهات وەکی وان     ڤیایی
  3. هوڕیا بسەر دا هات   هیڤی         ڤەمریای
  4. نیشان و خەلات        چون     مفا    نەدای

***

  1. دەهان هزار جا        کەڕاد   وان    کرن
  2. مویشەکێت دژوار     ئو       بومبە     کرن
  3. هزار دویف هزار      وان            ڤڕێکرن
  4. ئەو بوا نەما          ڕوژ     لێ      دزڤڕن
  5. سوزی و بێ سوزی لـئێک      بەرامبەر
  6. ڕاستی و داڤدوزی پەردە     ڕابو     ژسەر
  7. خوشی وئالوزی    تێکەل       ببون    هەر
  8. سەرێ کلوزی       فڕاند     لێ      بو  گەر

***

  1. جەنگێ ببێنن     هەر   رەخ   خو بکێشن
  2. بها نە     شکێنن     جەنگ     پڕ     ئاڕێشن
  3. دل ڕەشیێ پێلن     دا     دل      نە    ئێشن
  4. کێشێ نە شێلن      ئاشتی      هەل     پێشن

***

  1. جهـ کرن وێران         بو    ترس  و  طاری
  2. کاڤل و   تالان          کی   بچیتە     هاری
  3. ئاگر لبیرا   دا           سویلی   چون   واری
  4. هەلێخا جەنگا            کەس   نەکەن   پاری

***

  1. هەچێ گاز هەیی         مویشەکەک      لێدا
  2. وا ڕەنگ لێ بەیی    زاخێ    وێ      ڤێدا
  3. لەشکەر دەرڤەی        نێ     هاتە       تێدا
  4. ئەڤرێ ڕەش مەیی    دجهێت   خەلکێ   دا
  5. لەشکەرێ شکەستی یێ کەتیە دویف ئێک
  6. هژاندی هەستی لـ بەر بەرزەبو ڕێک
  7. بلندیا دەستی هەمی  چوبو    تێک
  8. سەنگا ڤەڕەستی ڕێ   نابنە   ف ئێک

***

  1. دوژمنێ بێ بەخت هەر شەڕ  و شوڕە
  2. دروندێ بێ ئەخت کوژەکێ   بسپورە
  3. مللەتێت مشەخت پڕژان  و  برین کورە
  4. دیروکێت سەخت دوژمن لبەر چاڤ شوڕە

شرح القصيد

١. آن الأوان لرفع غصن الزيتون بوصفه رمزاً عالمياً للسلام وإنهاء الصراعات.

٢. ألا تكفينا الحروب وما خلّفته من مآسٍ وآلام وأوزار ثقيلة على الشعوب؟

٣. ينبغي بتر أجنحة التهديد والتحريض التي تُبث عبر وسائل الإعلام، ولا سيما من قبل الأطراف التي لها مصالح في تأجيج هذا المدّ الخطير.

٤. كونوا أهل احترام، وأصغوا بآذان واعية لدعاة السلام والساعين إلى إرسائه على الأرض.

٥. هناك دائماً أعداء للسلام والاستقرار يعملون في الخفاء والعلن لإدامة الصراع.

٦. وهم المندفعون ومفتعلو الحروب الذين يسحبون شعوبهم نحو حافة الهاوية.

٧. فالغضب لا يعترف بأيديولوجية التفاهم أو التراضي أو الدبلوماسية التي تهدف إلى حقن الدماء.

٨. وعندما ينهض العدو بالغضب، فإنه يوقظ غضب الطرف الآخر أيضاً، فتُرسم ملامح الصراع على سفوح الجبال والسهول والصحارى.

٩. قد يتمكن الطرف المهيمن في الحرب من السيطرة على أراضٍ مهمة واحتلالها لصالحه.

١٠. فتتحول تلك الأراضي إلى مواقع لإدارة مصالحه وقواعد عسكرية يستخدمها جيشه متى دعت الحاجة.

١١. فالحرب خدعة، وقد تُستخدم فيها شتى أنواع المكايد والحيل لفرض الهيمنة على الطرف الآخر.

١٢. ومع ذلك يقاوم الأحرار ببسالة مستندين إلى إيمانهم بالحق وعدالة قضيتهم.

١٣. وقد تتحرك وفود النوايا الحسنة بأساليبها الدبلوماسية لتهدئة التوتر ومنح الأطراف فرصة لمراجعة النفس قبل القتال.

١٤. فإذا توارى السلام من قاموس الطرفين تحوّلا إلى كتلتين من الغضب، مجردتين من المشاعر والإنسانية.

١٥. عندها تتراكم الخسائر في الأرواح والممتلكات فتثقل كاهل الطرفين وتدفعهما نحو حافة الهاوية.

١٦. وفي أجواء الفوضى تتجمع الشياطين وأصحاب المصالح كالثعالب والذئاب لاقتناص مكاسبهم.

١٧. وغالباً ما يكون قرار الحرب نتيجة عوامل اقتصادية واجتماعية وتاريخية وقومية وسياسية وجيوسياسية.

١٨. ومن سماتها رفع راية الحرب والبدء بالاستعدادات العسكرية الاستباقية.

١٩. وقد لا تحظى مساعي السلام في بداية الأزمة باهتمام جاد من أحد الطرفين أو كليهما.

٢٠. وغالباً ما تُساء قراءة المبادئ فتتحول إلى ذرائع لإشعال فتيل الحرب.

٢١. ومع تصاعد الصراع تنطلق الطائرات لتنفيذ أهداف عسكرية مرسومة مسبقاً.

٢٢. فتفقد الحياة توازنها نتيجة التخطيط المحكم والخطير للحرب.

٢٣. وتهتز الأرض تحت وقع القصف العنيف والرهيب.

٢٤. وتتساقط مئات الأطنان من القذائف والصواريخ على المدن الآمنة المليئة بالسكان.

٢٥. وغالباً ما تكون الدول الكبرى الممول الرئيس لهذه الأسلحة الفتاكة.

٢٦. فهي تزوّد الدول النامية بالصواريخ والقذائف والطائرات الحربية من مصانعها العسكرية.

٢٧. ويُعدّ ذلك استعراضاً للقوة يعكس هيمنة الدول المصنِّعة لهذه الأسلحة ونفوذها.

٢٨. وفي الحروب تنشط شبكات التجسس التي يديرها مأجورون ومندفعون فتزداد الفتن والخراب.

٢٩. ويرافق الحزن المقاتلين في ساحات القتال لصعوبة المواقف وقسوة التجارب.

٣٠. وقد لا تؤتي الخطط ثمارها كما رُسمت، فالحروب مليئة بالمفاجآت ولا شيء فيها مؤكد.

٣١. وقد تنهار الموازين فوق رؤوس أحد الطرفين فيخونه الحظ.

٣٢. فلا تنفع الرتب العسكرية ولا الأوسمة والمكافآت في حسم المعركة.

٣٣. وتندلع الهجمات المتبادلة بعشرات الآلاف من الجنود من كلا الطرفين.

٣٤. وتُطلق مئات الصواريخ في سماء المعركة.

٣٥. وتتوالى آلاف الصواريخ المنطلقة من قواعدها بلا توقف.

٣٦. وعلى الباغي تدور الدوائر في نهاية المطاف.

٣٧. ويجد الطرفان نفسيهما في مواجهة شرسة ومواقف لا يُحسد عليها.

٣٨. وفي خضم الحرب تنكشف نوايا العدو وترتفع الستائر عن خفاياه.

٣٩. وفي الحروب يختلط الحابل بالنابل وتتشابك المسرّات بالمعاناة.

٤٠. فالحرب تنقض القيم الإنسانية، كما يعبّر المثل الكردي: «سەرێ کولوندی فڕاند» أي قُطع رأس القرع، في إشارة إلى الفوضى وضياع المعايير.

٤١. ولو وُضع طرفا الحرب في ميزان العدل لظهرت فداحة الخسارة على الجانبين.

٤٢. لذا ينبغي للطرفين التمسك بالصبر والهيبة رغم الأهوال والمشكلات المستفحلة.

٤٣. ولو تمكن البشر من السيطرة على ردود أفعالهم لتغيّرت معادلة العنف والفناء.

٤٤. فكروا في نعمة السلام وسهولته ولا تنزلقوا إلى معادلة الندم والعدم.

٤٥. فالحرب عبث بكينونة الأرض وكائناتها؛ إنها الخراب والخوف والظلام والأسى.

٤٦. وقد تترك البلدان أطلالاً منسية بلا منقذ أو معين.

٤٧. وحتى آبار النفط ومصادر الطاقة لا تسلم فتسيل كأنها أنهار فوق أراضي الوطن.

٤٨. وهنا ينذر الشاعر المستفيدين من افتعال الحروب والنزاعات.

٤٩. فالدول الغنية بالنفط تكون غالباً الأكثر استهدافاً في الحروب.

٥٠. وذلك لطمس هيبة تلك الدول والاستفادة من أهم مصادر الطاقة فيها.

٥١. كما لا تخلو الجيوش من المرتزقة والانتهازيين الساعين إلى مصالحهم الخاصة.

٥٢. ويخلّف حرق آبار النفط سحباً سوداء كثيفة تلوّث البيئة وتمتد آثارها إلى دول الجوار.

٥٣. وقد يُهزم جيش العدو فيبقى متجمداً في موقعه يتخبط في خيبته.

٥٤. مثقلاً بجراح عميقة وصلت إلى العظام وفاقداً بوصلته.

٥٥. فيفقد نفوذه وكبرياءه وقدرته على التأثير.

٥٦. ويصبح عديم التوازن واقفاً عند مفترق طرق.

٥٧. فالعدو الذي اندفع نحو الحرب والشر

٥٨. لم يفكر في مسالك أكثر حكمة ومرونة وأماناً.

٥٩. ومن مخلفات الحروب نزوح المدنيين قسراً من مناطقهم وبلدانهم خوفاً من بطش العدو وأهوال القتال.

٦٠. وفي الختام يدعو الشاعر إلى مراجعة التاريخ وما سجله من فظائع بحق الإنسان، متسائلاً: ألا يمكن حل الخلافات بطرق إنسانية تحقن الدماء وتحفظ مكتسبات الشعوب؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *