الكورد: هل تتحول الهوية المعلّقة بين المصطلح والقومية إلى حضارة جديدة في الشرق الأوسط باسم الأمة الديمقراطية؟ ظ رضوان فارس 

ليست كل التسميات التي تُطلق على الشعوب تعبيرًا مكتملًا عن هويتها، فبعضها يأتي نتيجة تحولات تاريخية كبيرة، ويتحوّل مع الزمن إلى أمر واقع دون أن يكتسب وضوحًا كاملًا في معناه أو جذوره. وهنا أجد نفسي أتساءل حول مصطلح “الكورد”: هل هو تعبير أصيل عن هوية قومية متجذرة، أم أنه توصيف تاريخي تشكّل في ظروف معينة ثم استمر دون مراجعة حقيقية؟ رأيي الشخصي، الذي أطرحه هنا كتساؤل أكثر منه كحكم نهائي، هو أن مقولة “أكردوهم إلى الجبال” لم تأتِ من فراغ، بل قد تكون مرتبطة بحدث تاريخي يتمثل في تحولات شهدتها حضارة سومر مع دخول الجماعات السامية إلى المنطقة وصراعها على الأرض والسلطة. وبحسب هذا التصور الفكري، يمكن تخيّل أن جزءًا من السكان السومريين قد هربوا باتجاه جبال زاغروس، في حين بقي جزء آخر في السهول. فالذين اتجهوا نحو الجبال قد يكونون، في هذا الإطار التأملي، قد ساهموا لاحقًا في نشوء الكيان الميدي، بينما الذين بقوا في الجنوب دخلوا في تفاعل مع العناصر السامية، ما أدى إلى تشكّل الحضارة البابلية بطابع مركّب. كما أن ما يُلاحظ من علاقات وتحالفات، أو حتى حالة من التوازن بين البابليين والميديين، قد يدعم هذا الطرح بوصفه قراءة فكرية ممكنة، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن نهايتهما كانت متقاربة، حيث انتهى نفوذهما مع صعود الإمبراطورية الأخمينية، التي أعادت رسم خريطة القوة في المنطقة. وبهذا، فإن ما يُطرح هنا ليس رواية تاريخية قطعية، بل محاولة لربط بعض التحولات الكبرى ضمن قراءة فكرية تسعى لفهم أعمق لمسار الهوية وتكوّنها عبر الزمن. هنا يمكن القول إن المقولة المذكورة أعلاه تحولت مع الزمن إلى تسمية ملتصقة بالهوية، خصوصًا بعد ظهور الإسلام، حيث بدأت تتبلور تدريجيًا لتصبح “كورد”، لكن دون أن تترافق مع نشوء كيان مركزي موحد، إذ بقيت الهوية في إطار جغرافي واجتماعي أكثر من كونها كيانًا سياسيًا واضحًا. ومنذ سقوط الإمبراطورية الأخمينية وحتى ظهور الإسلام، كانت المناطق التي تُعرف اليوم بموطن الكورد تقع ضمن نطاق جغرافي واسع يشمل جبال زاغروس وشمال بلاد الرافدين. وقد بقيت هذه المناطق تُعرف عبر العصور بأسماء متعددة مثل: كاردو، كاردا، وكاردوخي. وسكنتها شعوب متعددة، من بينها الميديون في الفترات الأقدم، ثم خضعت لاحقًا لسيطرة قوى مختلفة مثل الدولة السلوقية والفرثية والساسانية. ولا يمكن الجزم بوجود كيان موحد يحمل اسم “الكرد” في تلك الفترات، بل كانت المنطقة تضم جماعات وقبائل متعددة تطورت هويتها تدريجيًا عبر الزمن. ولم يظهر للكورد كيان سياسي مستقل بالمعنى المتعارف عليه، بل استمر وجودهم ضمن كيانات وإمبراطوريات متعاقبة، محتفظين بلغتهم وثقافتهم وتراثهم. ومع بداية العصر الحديث، برزت تحولات كبرى في المنطقة، خاصة مع صعود الدولة الصفوية والعثمانية، حيث شكّلت الصراعات بينهما مرحلة مفصلية في تاريخ المنطقة. وقد أدت معركة جالديران سنة 1514 إلى ترسيخ نفوذ هاتين القوتين وتقاسم مناطق واسعة، بما فيها كوردستان إلى قسمين بينهما، واستمر هذا التأثير لاحقًا في تشكيل البُنى السياسية الكردية، بما في ذلك الأحزاب السياسية المعاصرة. ومع تشكّل الدول الحديثة، تحولت كل من الصفويين والعثمانيين إلى دول ذات طابع مركزي قوي، في حين بقيت ذهنية الإمارات المحلية حاضرة بشكل أو بآخر، وهو ما انعكس لاحقًا في طبيعة بعض البُنى السياسية الكردية، التي أصبحت مرتبطة بتوازنات خارجية ومصالح هذه الدول. حتى الفرصة التاريخية التي برزت بعد سقوط نظام صدام حسين، ورغم الدعم الدولي، بقيت تحت تأثير التقسيم الأول لكوردستان، فلم تتحول إلى كيان موحد مستقل. ويرى هذا الطرح أن ذلك يعود إلى عوامل داخلية تتعلق بالمصالح الذاتية والذهنية التقليدية، أكثر من كونه مشروعًا وطنيًا جامعًا. ومن هنا يمكن القول إن أي مشروع سياسي يُطرح باسم الكورد وكوردستان يحتاج إلى تجاوز الذهنية العشائرية والانتقال نحو رؤية سياسية أكثر شمولًا. وهنا يبرز التساؤل: هل يمكن لشعب متشتت وقائم على البُنى القبلية أن يبني كيانًا سياسيًا مستقرًا دون تجاوز هذه الذهنية، أم أن ذلك يتطلب فلسفة مشتركة أو أيديولوجيا موحدة تعيد صياغة المشروع من جديد؟ كما يمكن القول إن الكيانات الكردية لم تظهر بمعناها الكامل منذ ما بعد سقوط كل من ميديا وبابل، بل بقيت المنطقة ضمن تحولات متعاقبة لم تُفرز كيانًا سياسيًا موحدًا ومستقرًا حتى اليوم. في مستوى الطموح، أرى أن روژآفا اليوم تمثل حالة نادرة، إذ تحمل ملامح تجربة سياسية جديدة يمكن النظر إليها كإحدى محاولات تحويل المصطلح إلى أمة، وإعادة تشكيل الهوية ضمن مشروع ديمقراطي حديث. غير أن استمرار هذه التجربة وتطورها يتطلب دعمًا ومشاركة أوسع من أبناء شعبنا لبنائها كحالة سياسية مستقرة. فإمّا أن يتحوّل الاسم إلى مشروعٍ يصنع التاريخ، أو يبقى مجرّد هويةٍ تحمل ذاكرة الماضي دون أن تمتلك القدرة على تغييره.