تقديس الرموز والأشخاص: تحليل نفسيإجتماعي- د. عبدالباقي مایی

 

٣\ ٤\ ٢٠٢٦

تقديس الرموز والأشخاص ظاهرة نفسيإجتماعية مركّبة تتجلى في مختلف الثقافات والأنظمة الإجتماعية و تختلف عن التقدير العقلاني و النقدي. ويمكن اعتبارها من الظواهر التي رافقت المجتمعات البشرية منذ نشأتها، حيث تميل الجماعات إلى إنتاج رموز تمثل قيمها وهويتها. غير أن هذه الرموز قد تتحول من موضوع تقدير إلى موضوع تقديس مطلق، بما يحدّ من إمكانيات النقد والمساءلة. و تطرح هذه الظاهرة إشكاليات تتعلق بالوعي الفردي، والسلطة، والهوية الجماعية، مما يستدعي تحليلها ضمن إطار نفسيإجتماعي متكامل.

يرى سيغموند فرويد أن علاقة الفرد بالسلطة والرموز تمتد من البنية العائلية حيث يتم إسقاط صورة الأب على شخصيات السلطة في المجتمع (Freud, 1921) . و في هذا السياق، يشير مفهوم “التماهي” إلى ميل الفرد لتبني صفات شخصية مثالية بوصفها نموذجًا أعلى. كما يقدّم كارل يونغ مفهوم”النماذج الأصلية” (Archetypes)، حيث تمثل الشخصيات المقدّسة أو البطولية صورًا رمزية كامنة في اللاوعي الجمعي (Jung, 1964) . هذه النماذج تسهّل عملية التقديس من خلال منح الرموز بعدًا أسطوريًا. كما یشیر إميل دوركهايم إلی أن “المقدّس” ليس خاصية في الأشياء ذاتها، بل هو نتاج اتفاق اجتماعي يمنح بعض الرموز مكانة خاصة. وبالتالي، فإن تقديس الرموز يُعدّ وسيلة لتعزيز التضامن الاجتماعي (Durkheim, 1912) . و من جهة أخرى، يوضح ماكس فيبر مفهوم “السلطة الكاريزمية”، حيث يستمد القائد شرعيته من صفات استثنائية يُنسبها إليه أتباعه، مما يؤدي إلى نوع من التقديس الشخصي (Weber, 1922) .

هكذا یتبین لنا بأن ظاهرة التقديس تتجذر في حاجات نفسية أساسية، مثل الحاجة إلى الأمان واليقين. ففي ظروف عدم الاستقرار، يميل الأفراد إلى التعلق برموز قوية تمنحهم شعورًا بالثبات، كما تلعب آليات دفاعية مثل “الإسقاط” و”الإنكار” دورًا في تضخيم صورة الرمز وتجاهل عيوبه. علاوة على ذلك يشير علم النفس الاجتماعي إلى ظاهرة “التفكير الجمعي”، حيث يؤدي الضغط الجماعي إلى تقليل التفكير النقدي وتعزيز الامتثال (Janis, 1972). و التقديس يؤدي وظائف متعددة، مثل: تعزيز الهوية الجماعية والإنتماء و توفير مرجعية قيمية مشتركة و تسهيل عملية الضبط الاجتماعي، غير أن هذه الوظائف قد تتحول إلى أدوات للهيمنة و توریث القیادة لترسيخ السلطة ، خاصة عندما يُستخدم التقديس لإضفاء الشرعية على السلطة أو قمع المعارضة. في هذا السياق، يمكن ربط الظاهرة بمفهوم “الهيمنة الثقافية” حيث تُفرض القيم السائدة بوصفها “طبيعية” وغير قابلة للنقاش (Gramsci, 1971).

بالرغم من أن التقديس قد يؤدي إلى الإستقرار الرمزي والإلهام، إلا أن له آثارًا سلبية أیضا، منها:  الجمود الفكري، و رفض التغيير، و تبرير الأخطاء والانحرافات، و إنتاج أنماط من الطاعة العمياء، و تعميق الإنقسامات الاجتماعية…الخ. و تشير الدراسات إلى أن المجتمعات التي تفتقر إلى ثقافة المساءلة تكون أكثر عرضة لتحول الرموز إلى “مقدسات” لا تُمس، مما يعيق التطور الاجتماعي والسياسي.

لذلك يتطلب للتعامل مع ظاهرة التقديس تطوير وعي نقدي يميّز بين التقدير والتقديس. فالتقدير يقوم على الاعتراف بالإنجازات ضمن إطار عقلاني، بينما التقديس يُقصي النقد ويُضفي طابعًا مطلقًا على الرمز. ومن هنا، تبرز أهمية التربية النقدية، وتعزيز التفكير المستقل، وبناء مؤسسات قائمة على المساءلة.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *