يقول الشاعر :
“إذا كنتَ في كلِّ الأمورِ معاتباً
صديقَك لم تلقَ الذي لا تُعاتبه”
في زمن التحولات الكبرى ، لا يكون الخلاف في الرأي هو المشكلة ، بل يصبح الخطر حين يختلط النقد بالتشويش ، أو حين تُحمَّل جهة ما مسؤوليات ليست من صنعها .
ومن هنا ، لا بد من التأكيد بوضوح :
إن الوقوف إلى جانب تجربة الإدارة الذاتية ، لا يعني تبرير الأخطاء ، لكنه أيضاً لا يقبل أن تُحمَّل هذه التجربة تبعات تدخلات تسعى إلى إضعافها من الخارج .
فما يجري في بعض الملفات الإدارية ، وخصوصاً ما يتعلق بالتعيينات ، لم يعد مجرد اجتهادات قابلة للنقاش ، بل بات يعكس نمطاً من فرض الوقائع ، يتناقض مع مبدأ الإدارة المحلية القائم على إرادة الناس .
تعيين مدير لمنطقة كوباني ، وفرض رئيس بلدية في ناحية الجلبية ، في مواقع يُفترض أن تُحسم عبر الانتخابات ، لا يمكن اعتباره تفصيلاً إدارياً عابراً ، بل هو مساس مباشر بمبدأ التمثيل المحلي .
فالإدارة التي لا تستمد شرعيتها من الناس ، تفقد أحد أهم عناصر بقائها : الثقة .
الأمر لا يتعلق بالأشخاص بقدر ما يتعلق بالآليات .
فحتى عندما يكون المعيَّنون من أبناء المنطقة ، فإن غياب الشرعية الانتخابية يجعلهم في نظر كثيرين امتداداً لقرار مفروض ، لا تعبيراً عن إرادة حقيقية.
وفي هذا السياق ، لا تبدو بعض الممارسات الصادرة عن دمشق ، أو تلك التي تتحرك ضمن إطارها ، مجرد خطوات إدارية معزولة ، بل أقرب إلى محاولة مستمرة لإعادة إنتاج نموذج الإدارة المركزية ، ولو بوسائل غير مباشرة .
مثل هذه السياسات لا تعزز الاستقرار ، بل تُبقي حالة الشك قائمة ، وتُضعف الثقة بأي مسار تفاهم أو شراكة .
وهنا يظهر التناقض بوضوح لا يحتمل التأويل :
كيف يمكن الحديث عن شراكة ، في ظل تغييب دور المجتمع المحلي ؟
وكيف يمكن ترسيخ القانون ، بينما يتم الالتفاف عليه عبر إجراءات لا تستند إلى شرعية انتخابية ؟
إن دعم الإدارة ، في جوهره ، هو دفاع عن فكرة أن تكون المؤسسات نابعة من الناس ، لا مفروضة عليهم .
وهو أيضاً رفض واضح لأي تدخلات تسعى إلى إفراغ هذه الفكرة من مضمونها ، سواء جاءت بشكل مباشر ، أو عبر أدوات محلية تُستخدم لتنفيذ سياسات لا تعبّر عن المجتمع .
ومع ذلك ، فإن هذا الموقف لا يعني إلغاء النقد الداخلي ،
ولا التغاضي عن الأخطاء .
بل على العكس ، فإن النقد المسؤول يبقى ضرورة ، شرط أن يكون موجهاً نحو التصويب ، لا نحو إضعاف البنية الداخلية .
غير أن الأهم من كل ذلك ، هو عدم فقدان البوصلة .
فبينما ينشغل النقاش أحياناً بتفاصيل إدارية ، تبقى هناك قضايا أكثر إلحاحاً لا تحتمل التأجيل :
أولها : ملف الاسرى والمفقودين ،
الذي لا يزال جرحاً مفتوحاً ، يتجاوز السياسة إلى البعد الإنساني والأخلاقي .
وثانيها : تثبيت الحقوق بشكل قانوني واضح ،
وأي حقوق لا تُترجم إلى نصوص ملزمة ، تبقى عرضة للتآكل أو الإنكار .
إن الانشغال المفرط بالتفاصيل ، مهما كانت مهمة ، لا يجب أن يأتي على حساب هذه الأولويات .
ما تحتاجه المرحلة اليوم ليس مزيداً من التشكيك ، بل مزيداً من الوضوح :
أن نقف مع ما يعزز استقرار مناطقنا ،
وأن نُسمّي ، دون تردد ، كل ما يعرقل ذلك .
المسألة لم تعد تحتمل الرماديات :
إما إدارة تعبّر عن الناس وتحمي مصالحهم ،
وإما محاولات مستمرة لإضعافها عبر فرض وقائع لا تشبههم .
وفي النهاية :
لا يمكن لأي مشروع أن ينجح ، إذا فُرضت عليه سياسات تُفرغه من مضمونه ،
ولا يمكن لأي استقرار أن يُبنى ، ما لم يسُد منطق القانون …
لا منطق الفرض ، ولا إدارة تُفرض على الناس باسمهم .
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي

