اقتصاد الأمنيات … حين تصبح الأرقام بديلاً عن الواقع  – محمد ديب أحمد

بين الأرقام التي تُعلن …
والواقع الذي نعيشه ، مساحة تستحق أن تُقرأ .
في كل مرة نسمع فيها رقماً جديداً ، نشعر أننا لا نحتاج إلى خطط اقتصادية ، ولا إلى مؤسسات ، ولا حتى إلى زمن …
بل إلى شيء أبسط بكثير :
قليل من الإيمان ،
وبعض التصفيق ،
وربما مصباح سحري يعمل عند الطلب .
فالأرقام التي تُطرح لا تبدو كوعود ،
بل كأنها نتائج نهائية … جاهزة للتسليم ،
تنتظر فقط أن نحسن استقبالها .
نحن أيها السادة على ما يبدو لا نعيش أزمة اقتصاد …
بل أزمة في تقدير حجم المعجزات المطلوبة .
ولم يعد السؤال : كيف سنصل ؟
بل : لماذا لم نصل بعد ، طالما أن كل شيء قد قيل بثقة ؟
الفقر ؟ في طريقه إلى الاختفاء .
البطالة ؟ مسألة تنظيم وقت .
المحسوبيات ؟ سوء فهم سيتم توضيحه لاحقاً .
والدولة ببساطة ، ستنتقل بلمسة زر من حالٍ إلى حال ، ومن قعرٍ إلى مصاف الدول الصناعية .
أما الطريق بين الصفر والمليار … فلم يعد ضرورياً ، ما دام الرقم قد أُعلن .
لكن الأجمل من الأرقام … هو ما يُطلب منا نسيانه .
فكل ما مرّ خلال السنوات الماضية من مآسٍ ، وتجاوزات ، وقتل على الهوية ، وتصدعات في النسيج ، يُعاد تقديمه كأنه لم يكن :
لا رعدٌ كان ،
ولا برق ،
ولا طوفان .
العصافير ، كما يُقال لنا الآن ، لم تتوقف يوماً عن الزقزقة ،
والشمس كانت تشرق بهدوء … على كل ما لم يحدث .
نحن ، ببساطة مدعوون للانتقال من الذاكرة إلى الأمنيات :
أن نُصدّق أن ما كان … لم يكن ،
وأن ما سيكون … قد بدأ فعلاً ،
وأن الفرق بينهما … مجرد تأخير في التنفيذ .
غير أن المشهد لا يكتمل دون أبطاله ؛
في زمن “ المعجزات السريعة ”، تتحول السياسة إلى خطابات يقينية ،
وتُعاد صياغة الوطن بوصفه مكافأة … لا شراكة .
يُقال  صراحة وبكل جرأة
إن من يملك القوة ، يملك الحق ،
وأن من لا ينسجم مع الرواية … فالصمت أولى به .
أما الإدارة ، فقد دخلت طورها “ الحديث ” :
مسؤول يخرج من مكتبه …
فتسبقه المواكب ،
وتحيط به السيارات السوداء ،
وتعلو أصوات المزامير ،
حتى يكاد المارّ يظن أن الدولة قد نهضت… فقط من شدة الضجيج .
في تلك اللحظة ، لا يكون السؤال : ماذا أُنجز ؟
بل : كم سيارة رافقت الإنجاز ؟
وفي زاوية أخرى من الصورة ،
تقف مكوّنات هذا البلد  علويون ، دروز ، كورد ، وسواهم
لا بوصفهم شركاء متساوين ،
بل كأنهم على هامش رواية لم تُكتب لهم بعد .
غير أن الحكاية ، بالنسبة للكرد ، ليست تفصيلاً عابراً ،
بل تاريخٌ من التهميش ، والإنكار ، والتضحيات التي لم تُترجم بعد إلى اعترافٍ عادل .
ومع ذلك ، لم يتبدل جوهر الخطاب الكردي ومطالبهم :
أن سوريا وطنٌ لكل أبنائها ،
وأن السقف يجب أن يكون واحداً
في الحقوق كما في الواجبات ،
لا فضل فيه لأحد ، ولا إقصاء فيه لآخر .
والجدير بالذكر يبدو أننا أمام نموذج جديد في الإدارة :
تطلب … فيُلبّى ،
تتمنى … فيُعلن ،
تصفّق … فيُضاف رقم جديد ،
وتصمت… فيُعاد ضبط الواقع ليتناسب مع البيان .
أما نحن ، فلسنا ضد الحلم ،
ولا ضد أن تنهض البلاد ،
ولا حتى ضد أن تكون البدايات كبيرة .
لكننا نحاول فقط أن نفهم :
أين تنتهي الأرقام …
وأين يبدأ الطريق ؟
قد يأتي يوم تُسمع فيه فعلاً أصوات المعامل ،
ويعلو هدير الإنتاج …
لا هدير البيانات ،
وقد يحدث بعض “ التشويش ” من كثرة العمل  … لا من كثرة الكلام .
والى ذلك الحين ،
لا يُطلب منا أن نفهم …
بل أن نحسن التصفيق في التوقيت المناسب …
وشاباش … للزمار والطبال .
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *