تظل فترة حكم الدكتاتور صدام حسين واحدة من أكثر المراحل مأساوية في تاريخ الشعب الكوردي، بما حملته من حملات إبادة وقمع، وفي مقدمتها جرائم الأنفال التي ما زالت آثارها حاضرة في الذاكرة الجماعية.
لكن المفارقة الأكثر إيلامًا لا تكمن فقط في تلك الجرائم، بل في ما حدث بعدها.
فبعد سقوط النظام، كان يُفترض أن تكون العدالة هي العنوان، وأن تُطوى صفحة الظلم بمحاسبة المسؤولين عنه. إلا أن الواقع كشف صورة مختلفة؛ إذ عاش بعض الذين تورطوا في تلك الجرائم، أو ارتبطت أسماؤهم بها، في مدن كوردية، وتحديدًا في هەولێر، تحت حماية أو صمت من أبناء الشعب نفسه الذي كان ضحية لهم.
هنا يتصدر سؤال لا يمكن تجاوزه:
هل كان هؤلاء المجرمون أقوى منا فعلًا، أم أن المشكلة فينا نحن؟
هل تحوّلوا إلى “أبطال” بفعل الأمر الواقع، أم أننا فشلنا في أن نكون أصحاب موقف؟
في ذكرى مأساة أنفال الكورد الفيليين، يرحل أحد أبرز الأسماء المرتبطة بتلك المرحلة، طاهر جليل حبوش التكريتي، على أرض هەولێر. وهذا الحدث لا يمرّ كخبر عابر، بل يفتح جرحًا قديمًا: كيف يمكن لمدينة دفعت ثمنًا باهظًا من دمائها أن تصبح مكانًا لعيش من ارتبطوا بتلك المآسي؟
المسألة هنا ليست انتقامًا، بل كرامة وذاكرة.
فالشعوب التي لا تحمي ذاكرتها، ولا تدافع عن عدالتها، تفتح الباب لتكرار ما حدث.
ما حدث ويحدث يضعنا أمام مواجهة صريحة مع أنفسنا:
هل نحن عاجزون عن محاسبة من ظلمنا؟
أم أننا اعتدنا التعايش مع الظلم إلى درجة القبول به؟
السؤال ليس موجّهًا للسلطة فقط، بل للمجتمع أيضًا.
لأن الصمت، في مثل هذه القضايا، ليس حيادًا… بل موقف.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة القاسية:
الشعب الذي لا يحاسب جلاديه، لا يستطيع أن يؤسس لمستقبل آمن.
فإما أن تتحول الذاكرة إلى قوة تدافع عن الحق، أو تبقى مجرد حكاية تُروى… دون أن تغيّر شيئًا.

