في الجغرافيا ذاتها ، تقف صورتان لا يمكن الخلط بينهما :
شجرةٌ يابسة ، جذورها في الوهم ، وأغصانها لا تعرف إلا التصحّر …
وأخرى وارفة ، تمدّ ظلّها لكل من يبحث عن أمان ،
تُثمر علماً ووعياً وسلاماً ، وتراهن على المستقبل لا على المقابر .
تلك هي المفارقة التي لا يريد البعض أن يراها :
كردستان التي تُبنى بالعقول ، في مقابل مشاريع تُدار بالولاء والغريزة .
منذ عقود ، وهذا الشعب يُختبر في أقسى مختبرات الألم :
من حملات الإبادة والأنفال ، إلى الكيماوي ، إلى سنجار وروج آفا …
إلى كل محاولات الكسر .
لكن النتيجة كانت دائماً عكس ما خُطِّط لها :
شعبٌ يخرج من تحت الركام أكثر صلابة ،
وأكثر وعياً ،
وأشدّ تمسكاً بالحياة .
ولأن الحياة تُزعج من اعتادوا على الموت ،
كان لا بدّ أن تتحوّل الطائرات المسيّرة إلى “ لغة حوار ” جديدة …
لكن أي حوار هذا الذي يُكتب على جدران المقاهي ،
وعلى نوافذ الفنادق ،
وبين أحياء المدنيين ؟
وفي مشهدٍ يختصر الكثير دون ضجيج ، جاءت الحادثة الأليمة في هولير ، حين استُشهد أحد أفراد البشمركة وزوجته داخل منزلهما وهما نائمان ، نتيجة استهدافٍ بصواريخ وطائرات مسيّرة .
لم تكن الحادثة مجرد خبر عابر ، بل صدمةً مسّت الوجدان الجمعي ، من القيادة إلى أبسط مواطن ، وأعادت التذكير بأن دائرة الخطر لا تزال مفتوحة ، وأن الأمن الذي يُبنى ببطء يمكن أن يُستهدف في لحظة صمت .
يبدو أن بعضهم يعتقد أن استهداف الأمن هو شكلٌ من أشكال الولاء لولاية الفقيه و“ المقاومة ”،
وأن قصف الاستقرار بطولة ،
والعبث بحياة الناس إنجاز يُضاف إلى سجلّ “ الإنجازات الوهمية ”.
الحقيقة أبسط من كل هذا التضليل :
ما يحدث ليس مقاومة …
بل عجز متنقّل ،
وليس موقفاً سياسياً … بل حقدٌ دفينٌ أعمى ،
وليس مشروعاً … بل وظيفة مدفوعة الأجر .
أما أولئك الذين احترفوا الارتزاق ،
فقد قرروا أن يكونوا أدواتٍ في معارك لا يفهمونها ،
جنوداً في مشاريع لا تشبه أوطانهم ،
وأصواتاً تُردّد ما يُملى عليها ، حتى لو كان الثمن أمن أهلهم وكرامة بلادهم .
والمفارقة الساخرة بل المؤلمة
أنهم يهدمون السقف الذي يظلّلهم ،
ويحفرون في الأرض التي يقفون عليها ،
ثم يتساءلون : لماذا نسقط ؟
أما “ الذرائع ”، فهي جاهزة دائماً :
مرةً باسم الطائفة ،
ومرةً باسم الولاية ،
ومرةً باسم شعارات لا تصمد أمام أول سؤالٍ عقلاني .
لكن ماذا يفعل الخطاب حين يصطدم بالواقع ؟
الواقع الذي يقول إن كردستان ، رغم كل شيء ،
ما زالت تبني ،
وتعلّم ،
وتنفتح ،
وتبحث عن مكانها بين المجتمعات الحيّة .
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية :
النجاح ، بحدّ ذاته أصبح تهمة .
أما أولئك الذين يشبهون العقارب ،
فقد اختاروا أن يلدغوا كل من لا يسير مع غيّهم وظلامهم ،
غير مدركين أن السمّ الذي يوزعونه ،
سيعود إليهم … عاجلاً أم آجلاً .
في النهاية ،
لا تحتاج كردستان إلى ردٍّ طويل على هذه المسيّرات ،
فأبلغ ردّ هو أن تستمرّ …
أن تزدهر أكثر ،
أن تبقى مساحةً للأمان في منطقةٍ تتقن صناعة الخوف .
والفرق بين من يبني ومن يهدم ،
ليس في السلاح … بل في الوعي والفكرة معاً .
الفكرة التي تُنتج حياة ،
لا تهزمها طائرة ،
ولا يخيفها ظلّ موتٍ عابر .
أما أولئك الذين لم يتقنوا سوى الهدم ،
فسيبقون يحاربون كل ما هو حيّ …
فقط لأنهم لم يتعلموا كيف يعيشون .
وهنا ، لا يكون السؤال :
لماذا يهاجمون ؟
بل : كيف يخافون إلى هذا الحد من الحياة ؟
أما كردستان ،
فليست بحاجة إلى أن تردّ …
يكفيها أن تستمر ،
فاستمرارها … هزيمةٌ دائمة لهم .
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي

