بين ركام الجغرافيا ووهج الهوية: تأملات في روح لم تُقهر – بوتان زيباري

في زمن تتداعى فيه الخرائط تحت وقع الصواريخ، وتتشظى فيه الأحلام على حدود الإرادات المتضاربة، نقف نحن، أبناء هذه البقعة المباركة والملعونة، على حافة سؤال وجودي ثقيل: متى نتحول من مجرد “أداة” في لعبة الأسياد إلى “غاية” في ذاتنا الإنسانية؟ إنها لحظة انكشاف الوعي على مأساته العميقة؛ ففي الوقت الذي تنشغل فيه القوى العظمى بإعادة ترسيم مناطق نفوذها على حساب دمائنا، نجد أنفسنا، نحن الكرد، نعيد اكتشاف علاقتنا مع العالم ومع أنفسنا، وكأنما ولدنا من جديد في محرقة التاريخ.

في هذه الساعة العصيبة، حيث تخيم نيران إيران وتلقي بظلالها على جسد المنطقة، وتتداخل فيها الصفقات الأمريكية مع المناورات الإسرائيلية، تبرز المفارقة الكبرى: كيف يُطلب منا أن نكون “رأس حربة” في حروب لا تخصنا، بينما نحن نعيش حالة من التمزق الوجودي؟ إن التجربة السورية، بكل ما حملته من وعود كاذبة حول إدارة ذاتية وتحالفات عربية-كردية، ما هي إلا مرآة عاكسة لهذه المأساة. لقد اختبرنا كيف يمكن لجيوبوليتيك متغير أن يمحو بإسفنجة واحدة إنجازاتٍ دامت سنوات، وكيف أن مشاريع “الأخوة” التي تُبنى على هشاشة المصالح سرعان ما تتفتت كسراب في صحراء السلطة .

نحن اليوم، وفي خضم التلويح بتسليح إيران الكردية، نعيد إنتاج سؤال “ذاكرة الجيل” الذي طالما شكل هاجس الأدب الكردي الحديث . إن الذاكرة الجمعية لدينا، كما صورها الروائيون، هي أرشيف من الانكسارات والألم المكبوت. إن مشهد تردد القوى الكردية في قبول أو رفض “عرض” واشنطن ليس مجرد حسابات سياسية باردة، بل هو صدى لصدمات الماضي. لقد رأينا كيف تحول حلم “روج آفا” إلى كابوس بعد أن تقلص الدعم الأمريكي وضاقت الخناق التركي؛ فكيف بنا نصدق أن “الراعي” نفسه سيحمينا هذه المرة على أرض إيران؟ التجربة علمتنا أن “المطرقة” التي تحطم نظاماً ما، قد تسحق من يستخدمها في اللحظة التالية. هذا هو الدرس المستفاد من أربيل، التي تجد نفسها اليوم في حالة ترقب، تزن بين مصالحها مع أنقرة ووجود القواعد الأمريكية على أرضها، وكأنها تقرأ التاريخ لتتجنب فخاخه.

والأخطر من ذلك هو الصراع الخفي حول “الآخر الداخلي”. ففي الوقت الذي تتحدث فيه الدوائر الحاكمة في أنقرة أو طهران عن “الإرهاب” و”الأمن القومي”، نجد أنفسنا أمام حالة من “النسيان القسري” للمظالم التاريخية. كما هو موثق في الرواية الكردية، فإن سياسات التحديث في هذه الدول غالباً ما بنيت على تهميش الكرد وجعلهم “الآخر” الذي يجب إخضاعه أو نفيه . هذه العقلية الاستعمارية المصغرة هي التي تجعل من أي مطلب لحقوق ثقافية أو تمثيل سياسي، مجرد “طعنة في ظهر الأمة”. إن ما يحدث اليوم هو تكريس لنمطية “الكردي الجيد” مقابل “الكردي السيئ”؛ فمن يقف مع أجندة أنقرة في سوريا هو “حليف”، ومن يحاول الحفاظ على كيانه في إيران يصبح “عميلاً”. هذا الانقسام هو أخطر ما يهدد وجودنا كمجتمع سياسي موحد.

نحن، كأفراد، نعيش حالة من العجز المعرفي والوجداني. لقد استنزفتنا الحروب، وتشوهت رؤيتنا بفعل خطاب الكراهية المتبادل. لقد أصبحنا شعباً “مرهقاً”، فاقداً للثقة بقياداته التقليدية، ومشتتاً بين فكرة “التفكك” التي يروج لها الخصوم، وبين ضرورة “البقاء” التي تفرضها الغريزة. اليوم، أكثر من أي وقت مضى، نحن بحاجة إلى إعادة بناء عقدنا الاجتماعي. نحن بحاجة إلى مشروع نهضوي يعيد تعريف “الوطن” ليس كقطعة أرض متنازع عليها، بل كقيمة إنسانية مشتركة. إن علينا أن ننتقل من منطق “الوكيل” في الحروب إلى منطق “الشريك” في بناء السلام. وهذا يتطلب مراجعة جذرية لأدواتنا؛ فطريقنا إلى الحرية لا يمكن أن يكون معبداً بالدم وحده، بل بالوعي والوحدة والبحث عن الحقيقة، بعيداً عن أوهام “الخارج” الذي يستغل ضعفنا، وعن قيود “الداخل” الذي يخنق طاقتنا.

الخلاصة أن وضعنا الحالي هو نتاج مأساة متراكمة من الاستثناء والحرمان. لقد كنا دائماً “الاستثناء” في قواعد اللعبة الدولية، “الكردي” الذي لا ينطبق عليه حق تقرير المصير كما ينطبق على غيره. هذا “الجروح المتعفنة” الذي نتحدث عنه في كل مناسبة سياسية هو نتيجة مباشرة لهذا التهميش المنهجي. ولن يلتئم هذا الجرح إلا عندما نقرر نحن، كأفراد وكجماعات، أن نضع مصلحة “الإنسان الكردي” فوق حسابات الفصائل والأحزاب. يجب أن ندرك أن أي تحرك جيوسياسي جديد، سواء في إيران أو سوريا، لن ينجح إلا إذا كان هناك مشروع وطني كردي شامل، يتجاوز الانقسامات العقيمة، ويؤمن بالديمقراطية كأسلوب حياة، وليس كشعار نخبوي.

في نهاية هذا التأمل، نعود إلى نقطة البداية: ما الذي نريده حقاً؟ هل نريد أن نبقى “بيادق” في صراع الأمس، أم نكون “صناع” حاضرنا؟ التاريخ يعيد نفسه، ولكن العاقل من يعتبر. إن الفرصة اليوم، رغم قتامة المشهد، تكمن في أن الوعي الجمعي الكردي بدأ يفيق على صوت العقل، صوت الإنسان الذي سئم القيود والأوصياء. علينا أن نتمسك بالجذور، ولكن بأجنحة متجددة، وأن نصنع واقعاً جديداً يليق بتضحيات الأجداد، ويسطر ملحمة البقاء لا الإبادة.

بوتان زيباري

السويد

15.04.2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *