يشهد المشهد الجيوسياسي الراهن حالة من الاستهتار غير المسبوق بالثوابت الدولية، حيث نجد أنفسنا أمام مشهد عبثي تديره قوى “الصهيو-أمريكية” بعقلية المقامرة لا بعقلية الدولة. إن العودة إلى إغلاق مضيق هرمز اليوم، بعد ساعات قليلة من فتحه، ليست مجرد خطوة عسكرية تكتيكية، بل هي رد فعل حتمي على سياسات “الصبيانية السياسية” و”البلطجة الميدانية” التي تنتهجها واشنطن وتل أبيب.
أولاً: تغريدات “الطفل” والعبث بالأسواق العالمية
لا يمكن قراءة المشهد بمعزل عن السلوك غير المسؤول الذي ينتهجه ترامب عبر منصات التواصل الاجتماعي. إن التعامل مع الأسواق العالمية ومقدرات الشعوب وكأنها لعبة إلكترونية، عبر إطلاق تصريحات متناقضة تهدف إلى التلاعب بأسعار النفط وضرب استقرار البورصات، يعكس حالة من انعدام النضج السياسي. هذا “العبث السوشيالي” يتجاوز كونه دبلوماسية شعبوية؛ إنه تقويض متعمد لمنظومة الأمن الاقتصادي العالمي، مما يدفع القوى الإقليمية، وعلى رأسها إيران، إلى استخدام أوراقها السيادية لحماية مصالحها من تقلبات “الاستهتار الترامبي”.
ثانياً: “الخط الأصفر” في جنوب لبنان.. تكرار سيناريو الغطرسة
في المقلب الآخر، يبرز العبث الصهيوني في جنوب لبنان كأداة تصعيد إجرامية تهدف إلى فرض واقع ميداني جديد. إن المحاولات الصهيونية لإقامة ما يسمى بـ “الخط الأصفر” في الجنوب اللبناني، على غرار ما تم تنفيذه من جرائم وتدمير في غزة، هو استمرار لمنطق التوسع والعدوان.
هذا التدخل السافر يمثل:
خرقاً للسيادة الوطنية: ومحاولة لفرض منطقة عازلة تخدم أمن الاحتلال على حساب دماء الشعوب العربية.
استنساخ الفشل: فالتجربة في غزة أثبتت أن سياسة “الخطوط الملونة” لا تجلب إلا المقاومة والرفض، ومع ذلك يستمر الكيان في غيه ظناً منه أن القوة الغاشمة يمكنها رسم الجغرافيا.
ثالثاً: مضيق هرمز كمعادلة ردع سيادية
أمام هذا الاستهتار المزدوج —عبث ترامب بالأسواق واعتداءات الصهاينة في الشمال والجنوب— يأتي إغلاق مضيق هرمز مجدداً من قبل الحرس الثوري بايران ليعيد التأكيد على أن الممرات الدولية ليست ملكاً للمزاج الأمريكي. إن استخدام هذه الورقة هو رسالة واضحة بأن “العبث بالأمن الإقليمي له ثمن باهظ”. لا يمكن للعالم أن ينعم بتدفق الطاقة بينما يتم العبث بأمن شعوب المنطقة في لبنان وفلسطين.
خاتمة:
إن ما يحدث اليوم هو مواجهة بين منطقين: منطق “العبث والغطرسة” الذي تمثله الإدارة الأمريكية وحليفها الصهيوني، ومنطق “السيادة والردع” الذي تمثله القوى الرافضة للتبعية. إن استمرار هذا الاستهتار الصهيو-أمريكي لن يؤدي إلا إلى مزيد من اشتعال المنطقة، وعلى المجتمع الدولي أن يدرك أن الصمت على “لعب الأطفال” في واشنطن و”إجرام المحتل” في تل أبيب سيجر العالم أجمع إلى كارثة لا تحمد عقباها.
الناصر خشيني نابل تونس
Email Naceur.khechini@gmail.com

