واحدة من أهم الاساليب التي يتميز بها النظام الايراني وحتى يبرع بها، هو لعبه على حافة الهاوية، عندما يظل يناور ويطاول ويلف ويدور في المفاوضات ويدخلها في ممرات ودهاليز بحيث يدفع بالمفاوضات الى مرحلة حرجة أو ما يمکن بتسميته بحافة الهاوية، کما رأينا في المفاوضات التي سبقت الاتفاق النووي في تموز من عام 2015، إذ ظل يراوغ ويناور ويماطل حتى وصل الى مرحلة لا يوجد بعدها من مرحلة أخرى، في وقت کان يعلم بأن عدم التوصل الى إتفاق سينعکس سلبا عليه وسيکلفه کثيرا ولاسيما سيکون هو بحد ذاته سبب فشل المفاوضات وذلك ما کان يدعو لتأليب صقور الکونغرس الاميرکي ضده، الى جانب إنه کان في ذلك الوقت ولأسباب کثيرة ومتباينة بأمس الحاجة لإبرام الاتفاق المذکور، ولذلك جرى التوقيع في وقت کان قد وضع المرشد الاعلى السابق للنظام علي خامنئي وقبل أسبوع واحد من إبرام الاتفاق، 19 شرطا من أجل موافقته على ذلك!
اليوم، وخلال المفاوضات الايرانية ـ الاميرکية التي جرت جولة أولى منها کانت فاشلة لوجود بون شاسع بين مواقف الطرفين، فإنه وبعد تصريحات ومواقف إيرانية مختلفة وإن تميزت بالتناقض إلا إنها کانت تجمع على عدم المشارکة في الجولة الثانية للمفاوضات في إسلام آباد يوم الاربعاء ال22 من الشهر الجاري، ولکن وفي اللحظات الاخيرة وبعد طول ترقب وتوتر أعلنت باکستان عن حضور الوفد الايراني للمفاوضات.
ومن الواضح إن مختلف الاوساط السياسية والاعلامية تٶکد على خبرة الايرانيين في المفاوضات وتمکنهم من سحب مفاوضيهم الى مواضيع وأمور قد لا تکون من علاقة بالمحاور الاساسية لما هو مطروح على طاولة التفاوض، وعند إضافة ما سردناه الى عامل الخبرة هذه فإنه نکون أمام خصم ليس من السهل مفاوضاته وتحقيق مکاسب معه ولاسيما عندما يکون هو في موقف ووضع صعب کما هو عليه حاليا.
عندما يفاوض الوفد الايراني في إسلام آباد، فإنه يعلم جيدا بأن بلاده قد تکبدت أکثر من 270 مليار دولار خسائر مادية من جراء الحرب التي إندلعت في 28 فيبراير 2026، إضافة الى خسارة أکثر من 450 مليون دولار يوميا بسبب الحصار البحري الاميرکي المفرض على الموانئ الإيرانيـة، الى جانب خسائر بحدود 70 الى 80 مليون دولار يوميا بسبب قطع الانترنت، بما يعطي إنطباعا کاملا بأن الاوضاع الاقتصادية في إيرانية على شفا الانهيار الکامل، لکن الوفد الايراني رغم ذلك يلعب بالاعصاب ويراوغ ويناور حتى الحظة الاخيرة.
ومن الواضح جدا بأن الوفد الايراني الذي هو برئاسة رئيس البرلمان الايراني، قاليباف، وعلى الرغم من الاوضاع الختلفة الحرجة السائدة في داخل إيران بما فيها معارضة النظام وإحتمال إندلاع إنتفاضة عارمة قد تجعله أثرا بعد عين ويعلم بأن تهديدات بالغة الجدية تحدق به، لکنه مع ذلك لا يتخلى عن أسلوب اللعب على حافة الهاوية وهو يجد في ذلك سبيلا للحصول على مکاسب وتنازلات من الطرف الآخر، لکنه لا يعلم بأن هذه المرة تحديدا تختلف جذريا عن المرات السابقة ولسبب واضح وبسيط جدا هو إن النظام هذه المرة وعندما ننظر لمختلف أوضاعه بدقة وعناية، فإننا نجد إنه يقف فعليا على حافة هاوية السقوط!

