هناك مفارقة لا يمكن تجاهلها، الجميع يتحدث… ولا أحد يفعل.
في المقاهي وفي الممرات وخلف الشاشات وحتى في زوايا الصمت، ترتفع نبرة التذمر من النقابات والمنظمات المهنية. كلمات حادة وتشخيص دقيق ووعي يكاد يلامس الحقيقة كاملة. لكن، ما إن تُفتح أبواب الفعل حتى يتحول هذا الضجيج إلى صمتٍ مُريب… صمتٍ يُشبه التواطؤ أكثر مما يُشبه العجز.
المشكلة لم تعد في النقابات وحدها بل في أولئك الذين يملؤونها حضوراً فارغاً. أولئك الذين يعرفون الخلل بالتفصيل لكنهم يفضلون البقاء في منطقة الأمان حيث لا ثمن للكلام ولا تبعات للشكوى. يشتكون من القيادات لكنهم يمنحونها شرعيتها بالصمت والتبريكات. ينتقدون الأداء لكنهم يكرسون استمراره بالتردد.
أي نقابة لا تُصنع من إرادة أعضائها هي مجرد واجهة… وأي عضو لا يملك شجاعة الموقف هو جزء من المشكلة لا ضحية لها.
الحديث عن هيمنة السلطة أو الأحزاب لم يعد كافياً لتبرير هذا الجمود. نعم، هناك تأثير وضغط وربما خوف مشروع، لكن متى تحوّل الخوف إلى أسلوب حياة؟ ومتى أصبح التردد خياراً دائماً؟ الحقيقة القاسية أن كثيرين اعتادوا الشكوى أكثر مما اعتادوا التغيير، وألفوا دور المتفرج حتى وهم في قلب الحدث.
ما يحدث ليس عجزاً جماعياً بقدر ما هو تواطؤ صامت. اتفاق في الخفاء وانقسام عند المواجهة. حماسة في النقاشات وبرود في اللحظة الحاسمة. وكأن الجميع ينتظر شخصاً آخر ليدفع الثمن أولًا. يا للفضيحة.
النقابات لا تُختطف فقط من الخارج بل تُسلَّم من الداخل. تُسلَّم حين ينسحب أصحابها الحقيقيون من الفعل ويتركون الساحة لمن يجيدون التنظيم ولو على حساب المصلحة العامة. تُسلَّم حين يصبح الولاء للتنظيم أقوى من الولاء للمهنة وحين يُقدَّم الانتماء السياسي على الكرامة المهنية.
السكرتير أو رئيس الفرع ليس سوى نتيجة… نتيجة لصمتٍ طويل وخيارات مؤجلة ومواقف لم تُتخذ. من السهل تحميله كل شيء، لكن من الصعب الاعتراف بأننا نحن من مهّد له الطريق إما بالفعل أو بالسكوت.
الحقيقة التي لا يحب أحد سماعها، لا يمكن لمن يخشى التغيير أن يشتكي من نتائجه. ولا يمكن لمن يرفض دفع ثمن الموقف أن يحلم بمكاسب حقيقية.
إن لم تتحول الشكوى إلى فعل ستبقى مجرد تنفيس… وإن لم يتحول الوعي إلى موقف سيبقى مجرد عبء إضافي.
وفي النهاية علينا ان لا نسأل لماذا لا تتغير النقابات… بل نسأل لماذا لا نتغير نحن؟

