كيف تفقد الدولة معناها… دون إعلان سقوطها – محمد ديب أحمد

في سوريا اليوم ،
لم يعد النقاش يدور حول شكل الدولة ،
بل حول طبيعتها .
هل نحن أمام مؤسسات تُدار بالقانون ؟
أم أمام منظومة تُدار بالمرجعيات ؟
لم يعد هذا السؤال نظرياً ،
خصوصاً حين تبدأ المفردات بالتبدّل داخل بنية يُفترض أنها إدارية أو عسكرية .
وحين تُستبدل صفة “المدير” أو “المسؤول” بمفردات من نوع “الشيخ”،
فنحن لا نكون أمام تغيير في اللغة ،
بل أمام تغيير في وظيفة الدولة نفسها .
هذا التحول لا يحدث فجأة ،
بل يتسلل بهدوء :
في التعيينات ، في آليات القرار ،
 وفي طبيعة الخطاب .
ومع الوقت ، لا يعود المنصب مرتبطاً بالكفاءة ،
بل بدرجة القرب من مرجعية تُعرّف نفسها خارج إطار الدولة .
وقبل التعميم ،
تظهر داخل الجغرافيا السورية مفارقة تستحق التوقف .
في مناطق الشمال الشرقي وروج آفا ، حيث الغالبية الكردية ،
برزت محاولة مختلفة للخروج من هذا النمط :
إدارة محلية ،
تمثيل أوسع ،
ومسعى لفصل القرار الإداري عن الخطاب العقائدي المباشر .
ليست تجربة مكتملة ،
لكنها تطرح سؤالاً لا يمكن تجاهله :
كيف يمكن إدارة مجتمع متنوع دون فرض هوية واحدة عليه ؟
المفارقة أن هذه المحاولة تُواجَه برفض شبه جاهز ،
ليس بسبب نتائجها ،
بل لأنها لا تنسجم مع النموذج التقليدي القائم على مركزية صلبة ،
وفكر أحادي ،
ولون واحد— وهو النموذج الذي أثبت ، عملياً محدودية قدرته على إدارة هذا التنوع .
في المقابل ،
يتعزز داخل مؤسسات أخرى نمط مختلف تماماً :
خطاب ديني ذو نزعة راديكالية ،
لا يكتفي بالتأثير على اللغة ،
بل يمتد ليحدد معايير الانتماء والارتقاء .
في مؤسسات يُفترض أن تُدار بالكفاءة والانضباط ،
يصبح العامل الحاسم هو مدى الالتزام بخطاب معين ،
لا مدى القدرة على أداء الوظيفة .
وهنا ،
لا تكون المشكلة أخلاقية فقط ،
 بل بنيوية .
سوريا ، بحكم تكوينها ،
ليست كياناً أحادياً ،
بل فسيفساء معقدة من الهويات والانتماءات .
وأي محاولة لإعادة تعريفها بلون واحد ،
لن توحّدها…
بل ستفككها بهدوء .
هذا التفكك لا يأتي عبر قرارات كبرى ،
بل عبر تراكمات صغيرة :
تعيين قائم على الولاء ،
خطاب إقصائي ،
ومفاهيم تُفرض كأنها مسلّمات .
في هذا السياق ،
يُطرح “الحياد” كخيار عقلاني ،
لكنه في لحظة الخلل البنيوي ،
لا يكون سوى شكل من أشكال القبول الضمني باستمرار الواقع .
أما الشعارات ،
فلم تعد بحاجة إلى إقناع ؛
يكفي أن تكون حاضرة ،
ومدعومة بسلطة قادرة على فرضها .
المشكلة أن هذه الشعارات ،
سواء كانت دينية أو أيديولوجية ،
تلتقي عند نتيجة واحدة :
إضعاف فكرة الدولة .
والدول أو الدولة لا تُبنى على الإيمان بخطاب ،
بل على الاتفاق على قواعد .
وحين تغيب هذه القواعد ،
يظهر منطق بديل :
من يملك القوة … يملك القرار .
قد يكون هذا المنطق فعالاً في إدارة الصراع ،
لكنه عاجز عن إنتاج الاستقرار ،
وأعجز عن بناء دولة .
والتجارب في المنطقة ليست بعيدة ،
ونهاياتها متشابهة :
نخب تتبدل شكلياً ،
آليات تعيد إنتاج نفسها ،
ومعيار واحد لا يتغير :
الولاء قبل الكفاءة .
في المحصلة ،
المشكلة ليست في تعدد النماذج ،
بل في غياب نموذج جامع ؛
نموذج يعترف بالتنوع بوصفه واقعاً، لا خطراً ،
ويتعامل مع الدولة كمساحة مشتركة ،
لا كأداة لفرض هوية واحدة .
حتى الآن ،
المسار العام لا يشير إلى ولادة هذا النموذج ،
بل إلى شيء آخر أكثر وضوحاً :
تغيير الأسماء …
مع بقاء العطب نفسه .
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *