د. محمود عباس: إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى

 

الحلقة السادسة – 

 

الاقتصاد بدل السلاح، المعركة الجديدة للشعوب. – 

لم يعد بقاء الشعوب ومشاريعها القومية والسياسية مرهونًا بالسلاح وحده، ولا بالصمود الميداني وحده، بل أصبح مرتبطًا، أكثر من أي وقت مضى، بقدرتها على بناء اقتصاد منتج، ومجتمع قادر على الاستمرار، ومؤسسات تحمي الحياة اليومية من الانهيار. فالعالم الجديد لا تُحسم فيه الصراعات في الجبهات العسكرية فقط، بل في الأسواق، والجامعات، والتكنولوجيا، وشبكات الإنتاج، والقدرة على تحويل المجتمع من كتلة مستنزَفة إلى قوة قادرة على البقاء والمنافسة.

ومن هنا، يصبح السؤال الكوردي اليوم أكثر إلحاحًا، هل ما زال النضال يُفهم فقط بوصفه سياسةً وسلاحًا ومواقف، أم أن الاقتصاد بات الجبهة الأعمق في تقرير مصير الشعوب؟

لا شك أن السلاح كان، في مراحل طويلة من تاريخ الحراك الكوردستاني، أداة اضطرارية للدفاع عن الوجود والهوية والحقوق الأساسية. فقد وُضع الشعب الكوردي أمام سلطات محتلة ومركزية عنيفة، تعاملت مع قضيته بوصفها ملفًا أمنيًا، لا قضية شعب. لذلك لم يكن حضور الكفاح المسلح في الوعي الكوردي ترفًا أو خيارًا نظريًا، بل كان في كثير من الأحيان ردًا على القمع والإنكار والإبادة والتهجير.

لكن تحولات القرن الحادي والعشرين تفرض إعادة النظر في معنى القوة. فالقوة الحديثة لم تعد تُقاس بعدد المقاتلين وحدهم، ولا بقدرة أي حركة على الدفاع فقط، بل بقدرتها على بناء اقتصاد يحمي المجتمع، ويمنح السياسة قاعدة مادية، ويمنع القضية من الارتهان الكامل لتقلبات الإقليم والدول الكبرى. فالشعوب التي لا تملك اقتصادًا منتجًا تبقى هشّة، مهما امتلكت من عدالة في قضيتها، أو تاريخ من التضحيات.

إن الدول الكبرى نفسها لم تعد تعتمد على الحرب المباشرة وحدها، بل تستخدم الاقتصاد بوصفه أحد أخطر أسلحة العصر، والحرب الجارية بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى خير مثال. العقوبات، والتحكم بالطاقة، والأسواق، والاستثمار، والتكنولوجيا، وسلاسل الإنتاج، أصبحت أدوات نفوذ لا تقل أثرًا عن الجيوش، بل قد تكون أطول عمرًا وأعمق تأثيرًا. ومن لا يقرأ هذه الحقيقة يبقى أسير منطق قديم، يرى القوة في البندقية وحدها، وينسى أن البندقية نفسها تحتاج إلى اقتصاد يحميها، ومجتمع يموّلها، ومؤسسات تمنع تحولها إلى عبء على الشعب.

فالولايات المتحدة حكمت العالم بالدولار والتكنولوجيا قبل الجيوش، واليابان نهضت من الهزيمة بالصناعة والمعرفة، واليهود حوّلوا الشتات إلى شبكة نفوذ عبر التعليم والمال والتنظيم. وهذه التجارب، رغم اختلاف ظروفها، تقول شيئًا واحدًا، من لا يبني اقتصادًا منتجًا لا يستطيع أن يحمي قضيته طويلًا.

وهنا تبرز إحدى أعمق إشكاليات الحراك الكوردستاني. فقد ظل، في أجزاء واسعة منه، حراكًا سياسيًا وأمنيًا وعسكريًا أكثر مما كان مشروعًا اقتصاديًا متكاملًا. وكان لذلك ما يبرره تاريخيًا، لأن كوردستان عاشت قرونًا من التقسيم، والتهميش، والحروب، وتجفيف الموارد، وتحويل الاقتصاد إلى وسيلة إخضاع. غير أن استمرار هذا الخلل اليوم يضع المشروع الكوردي أمام خطر بنيوي، أن يبقى قادرًا على الصمود، لكنه عاجز عن التحول إلى تجربة مستقرة، منتجة، وقابلة للحياة الطويلة.

وتجربة جنوب كوردستان تقدم مثالًا واضحًا على أهمية الاقتصاد وخطورته في آنٍ واحد. فقد استطاعت، رغم الحروب والحصار والصراعات الإقليمية، أن تبني كيانًا سياسيًا وإداريًا معترفًا به فعليًا، وأن تفتح أبوابًا للاستثمار، وأن تؤسس بنية عمرانية واقتصادية لم تكن ممكنة في مراحل سابقة. لكنها، في الوقت ذاته، كشفت أن الاقتصاد حين يبقى معتمدًا على النفط، والرواتب، والريع، والخلافات الحزبية، والتجاذبات مع بغداد والإقليم، يظل اقتصادًا قابلًا للاهتزاز عند كل أزمة سياسية أو مالية. وهذا يعني أن التجربة، رغم أهميتها التاريخية، لا تزال بحاجة إلى الانتقال من اقتصاد الريع إلى اقتصاد الإنتاج، ومن اقتصاد السلطة إلى اقتصاد المجتمع، ومن الاستهلاك إلى الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والمعرفة.

أما في غربي كوردستان، فقد كشفت السنوات الأخيرة أن المكاسب السياسية والإدارية، مهما بلغت أهميتها، لا تستطيع أن تصمد طويلًا إذا لم تُسنَد إلى قاعدة اقتصادية متينة وبنية تحتية قادرة على حماية المجتمع من الهشاشة. فالتجربة التي نشأت هناك في ظروف استثنائية، وقدّمت تضحيات جسيمة في مواجهة داعش وحماية المنطقة، امتلكت في بداياتها رصيدًا سياسيًا ومعنويًا مهمًا، لكنها لم تُولِ مسألة بناء اقتصاد منتج، وتحسين البنية التحتية، وتنظيم موارد المجتمع، الاهتمام الكافي الذي كان يمكن أن يحوّلها من حالة إدارة أزمة إلى مشروع قابل للاستمرار.

ومع تغيّر الظروف الإقليمية والدولية، وتراجع مساحات من المكاسب، وتعمّق الأزمات المعيشية، واشتداد الحصار والهجرة والبطالة، ظهر بوضوح أن الضعف الاقتصادي لم يكن تفصيلًا ثانويًا، بل أحد أسباب سرعة التآكل والانكشاف. فحين لا تمتلك التجربة دورة إنتاج محلية، ولا بنية خدمية قوية، ولا قدرة على خلق فرص عمل، يصبح المجتمع أكثر استعدادًا للإنهاك، وتصبح المؤسسات أكثر عرضة للاهتزاز عند أول ضغط كبير.

لذلك لا يصح التعامل مع تجربة غربي كوردستان بوصفها مثالًا مكتملًا، ولا إنكار ما قدّمته من تضحيات، بل ينبغي قراءتها بوعي نقدي جديد: فالمكسب السياسي، إن لم يتحول إلى اقتصادٍ منتج، وبنية تحتية، ومؤسسات راسخة، يبقى قابلًا للتراجع. والقضية العادلة لا تحميها الرمزية وحدها، بل تحميها أيضًا قدرة المجتمع على العيش، والإنتاج، والبقاء، ومقاومة الانهيار من الداخل.

وهذه المسألة لا تخص جنوب كوردستان أو غربها فقط، بل تخص الشعب الكوردي في أجزائه كلها. فالكورد في تركيا وإيران وسوريا والعراق، وفي المهاجر الأوروبية والأمريكية، يملكون طاقات بشرية وعلمية واقتصادية ضخمة، لكنها لا تزال مشتتة إلى حد بعيد. ولو وُجدت رؤية كوردستانية حديثة لتحويل هذه الطاقات إلى قوة منظمة، لأصبحت الجاليات الكوردية جسرًا حقيقيًا بين كوردستان والعالم، لا مجرد امتداد عاطفي للقضية. فالمهندس، والطبيب، والأكاديمي، ورجل الأعمال، والمبرمج، وصاحب الخبرة الإدارية، كلهم جزء من معركة البقاء الجديدة، إذا جرى تنظيم دورهم ضمن رؤية استراتيجية لا ضمن ردود فعل موسمية.

إن الاقتصاد هنا لا يعني التجارة فقط، ولا تحسين مستوى المعيشة فحسب، بل يعني خلق قاعدة مادية للقرار السياسي، وللاستقلال النسبي، ولمنع المجتمع من الانهيار عند كل حصار أو تهديد أو تغير في مواقف الدول. فالمجتمع الذي ينتج غذاءه، ويطوّر زراعته، ويبني صناعاته الصغيرة، ويستثمر في التعليم والتكنولوجيا، ويخلق فرص عمل لشبابه، يكون أكثر قدرة على حماية نفسه من مجتمع يعيش على المساعدات، أو على الرواتب، أو على اقتصاد الحرب، أو على انتظار ما تمنحه القوى الخارجية.

ولهذا ينبغي أن ينتقل السؤال الكوردي من: كيف نحمي وجودنا؟ إلى سؤال أعمق: كيف نحوّل هذا الوجود إلى قوة منتجة؟ كيف نبني مجتمعًا لا يكتفي بالبقاء، بل يملك أدوات الاستمرار؟ كيف نخرج من منطق النجاة المؤقتة إلى منطق البناء الطويل؟

إن إعادة تعريف النضال الكوردي في هذه المرحلة لا تعني التخلي عن حق الدفاع عن النفس، ولا عن الحقوق القومية، ولا عن الذاكرة النضالية، بل تعني توسيع معنى النضال ذاته. فالنضال في هذا القرن لا يكون فقط بحمل السلاح حين تفرضه الضرورة، بل ببناء المدرسة، والجامعة، والمصنع، والمزرعة الحديثة، والشركة، والمركز البحثي، والمؤسسة القادرة على تحويل الإنسان الكوردي من ضحية دائمة إلى طاقة منتجة.

فليس المطلوب فقط أن نصمد، بل أن نبني. وليس المطلوب فقط أن ندافع، بل أن نؤسس. وليس المطلوب فقط أن نحفظ ما تبقى من المكاسب، بل أن نخلق الشروط التي تجعلها قابلة للحياة. فالعالم لا يرحم الكيانات الضعيفة اقتصاديًا، ولا يمنح احترامه الطويل لمن لا يستطيع تنظيم موارده، وحماية مجتمعه، وإنتاج حاجاته.

إن المعركة الجديدة للشعوب لم تعد في الجبهات وحدها، بل في الاقتصاد. والشعب الذي يملك اقتصادًا قادرًا على الإنتاج والابتكار، يملك صوتًا أقوى في السياسة، وموقعًا أكثر ثباتًا في العالم، وقدرة أعلى على حماية حقوقه. أما الشعب الذي يبقى داخل دائرة الهشاشة والاستهلاك والاعتماد، فإن قضيته، مهما كانت عادلة، تبقى مهددة مع كل تغير في موازين القوى.

ومن هنا، فإن الحراك الكوردستاني، في عصر التحولات الكبرى، يحتاج إلى أن يجعل الاقتصاد جزءًا من صلب وعيه القومي، لا ملفًا مؤجلًا إلى ما بعد الحل السياسي. فالاقتصاد ليس مرحلة لاحقة للنضال، بل أحد شروط نجاحه. ومن لا يبني قوة الحياة، سيظل مضطرًا إلى الدفاع عن وجوده كل يوم، من جديد.

يتبع…

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

11/3/2026م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *