حين يصبح الخلاف بين الخصوم رفاهية… وتصبح كوردستان هي الهدف المشترك
مقدمة: العدو الذي يتغيّر… والهدف الذي لا يتغيّر
في الشرق الأوسط، تتغيّر التحالفات بسرعة، وتتبدل مواقع الأصدقاء والخصوم باستمرار. دول تتقاتل في سوريا وتتفاوض في بغداد، تتصارع في القوقاز وتتبادل المصالح في الخليج. لكن وسط كل هذا الاضطراب، هناك ثابت واحد يكاد لا يتغيّر:
كلما اقترب الكورد من بناء مشروع سياسي مستقر، أو تحقيق مكسب قومي، أو فرض معادلة جديدة على الأرض، تتقاطع مصالح القوى الإقليمية الكبرى ضدهم، مهما بلغت خلافاتها فيما بينها.
تركيا وإيران مثال واضح على ذلك.
خصمان في ملفات عديدة، لكنهما يلتقيان دائماً عند “الخط الأحمر الكوردي”.
وما يجري اليوم من تنسيق أمني وعسكري غير مباشر بين أنقرة وبعض القوى المرتبطة بطهران في العراق وسوريا، ليس حدثاً عابراً، بل امتداداً لتاريخ طويل من التفاهمات غير المعلنة حول منع ولادة أي كيان كوردي مستقل أو حتى شبه مستقل يمتلك مقومات الاستمرار.
أولاً: لماذا يخافون من الكورد؟
لفهم ما يحدث، يجب أولاً فهم سؤال أعمق:
لماذا تتحسس أربع دول من أي صعود كوردي؟
الجواب لا يتعلق فقط بالسلاح أو الأحزاب المسلحة، بل بجغرافيا كوردستان نفسها.
الكورد ليسوا أقلية صغيرة معزولة يمكن احتواؤها بسهولة، بل شعب موزع على منطقة استراتيجية تمتد بين:
تركيا
إيران
العراق
سوريا
وهي منطقة تحتوي على:
أهم منابع المياه
ممرات الطاقة
ثروات نفطية ضخمة
عمق جغرافي يربط الشرق بالغرب
أي مشروع كوردي ناجح لا يُنظر إليه فقط كقضية قومية، بل كتحول جيوسياسي قد يعيد رسم توازنات المنطقة بأكملها.
لهذا تخشى تركيا من انتقال “النموذج الكوردي” إلى داخلها، وتخشى إيران من تحوّل كوردستان إلى فضاء معادٍ لنفوذها غرب البلاد، بينما ترى بعض القوى في بغداد أن أي قوة كوردية مستقلة تعني تقليصاً لنفوذ المركز على الثروة والقرار.
المشكلة الحقيقية بالنسبة لهذه الدول ليست فقط في “السلاح الكوردي”، بل في فكرة الكورد أنفسهم حين يتحولون من شعب مقموع إلى قوة منظمة تمتلك مشروعاً سياسياً.
ثانياً: من سايكس–بيكو إلى سنجار… التاريخ يعيد نفسه
ليست هذه المرة الأولى التي تتفق فيها القوى الإقليمية ضد الكورد.
فمنذ انهيار الدولة العثمانية، كان الكورد دائماً ضحية التفاهمات الكبرى.
- سايكس–بيكو: الولادة الأولى للحصار
حين قُسم الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الأولى، جرى تقسيم كوردستان بين أربع دول، دون أخذ الإرادة الكوردية بعين الاعتبار.
تحول شعب كامل إلى “مشكلة حدود” موزعة بين أنظمة متناقضة، لكنها متفقة على أمر واحد: منع الكورد من التوحّد.
- اتفاقية سعد آباد 1937
ربما لا يتذكر كثيرون أن تركيا وإيران والعراق وقّعت اتفاقية أمنية مشتركة هدفها الأساسي غير المعلن كان: منع الثورات الكوردية العابرة للحدود.
ومنذ ذلك الوقت، أصبح التنسيق ضد الكورد جزءاً ثابتاً من أمن المنطقة.
- من آرارات إلى مهاباد
ثورة آرارات أُخمدت بتنسيق تركي–إيراني.
جمهورية مهاباد سقطت بعد تخلي القوى الدولية عنها.
الثورات الكوردية في العراق تعرضت مراراً للخيانة الإقليمية والدولية.
وكأن التاريخ يكرر الرسالة نفسها: يسمح للكورد بالقتال… لكن لا يسمح لهم بالانتصار الكامل.
ثالثاً: سنجار… أكثر من مجرد معركة ضد PKK
ما يحدث في سنجار اليوم يتجاوز كثيراً الخطاب الرسمي حول “مكافحة الإرهاب”.
سنجار ليست مجرد منطقة جغرافية، بل عقدة استراتيجية تربط:
كوردستان العراق
غرب كوردستان
الحدود السورية العراقية
ولهذا أصبحت هدفاً دائماً.
تركيا ترى فيها ممراً خطيراً لنفوذ حزب العمال الكوردستاني، وإيران تخشى تحوّلها إلى منطقة نفوذ خارجة عن سيطرة حلفائها، بينما تتعامل بعض القوى العراقية معها كملف أمني يجب إخضاعه بالكامل لبغداد.
لكن الضحية الحقيقية تبقى:
المدنيين الكورد الإيزيديين
الاستقرار المحلي
ومستقبل المنطقة الكوردية نفسها
رابعاً: الإمبريالية الإقليمية الجديدة
لم تعد الإمبريالية اليوم مجرد جيوش غربية تحتل الدول بشكل مباشر، بل ظهرت نسخة جديدة منها داخل الشرق الأوسط نفسه.
دول إقليمية تتوسع:
عسكرياً
اقتصادياً
استخبارياً
وديموغرافياً
وتمارس نفوذها على حساب الشعوب الضعيفة.
تركيا تستخدم:
القواعد العسكرية
الطائرات المسيّرة
التدخلات الحدودية
وإيران تستخدم:
الميليشيات
النفوذ العقائدي
الشبكات المسلحة العابرة للحدود
أما العراق، فيبقى ساحة مفتوحة لهذا الصراع.
وفي قلب هذه المعادلة يقف الكورد: لا يملكون ترف الخطأ، ولا حماية دولية حقيقية دائمة.
خامساً: الحقيقة التي لا يحب الكورد سماعها
رغم كل المؤامرات الخارجية، لا يمكن تحميل الآخرين وحدهم مسؤولية المأساة الكوردية.
فالانقسامات الداخلية لعبت دوراً كارثياً أحياناً.
كم مرة تحولت الأحزاب الكوردية إلى أدوات بيد القوى الإقليمية؟ كم مرة استُخدمت الخلافات الداخلية لإضعاف الموقف القومي؟ كم مرة فضّل بعض السياسيين حماية الحزب على حماية القضية؟
الحقيقة المؤلمة أن أعداء الكورد نجحوا غالباً حين فشل الكورد أولاً في الاتفاق فيما بينهم.
ولهذا فإن أخطر ما يواجه القضية الكوردية اليوم ليس فقط الطائرات أو الميليشيات، بل:
الانقسام
التخوين
والتبعية للخارج
سادساً: ماذا يحتاج الكورد اليوم؟
القضية الكوردية لم تعد تحتمل الخطابات التقليدية أو الشعارات العاطفية وحدها.
ما تحتاجه فعلاً هو:
- مشروع قومي واقعي
مشروع يفكر بالدولة والمؤسسات، لا فقط بالشعارات الثورية.
- وحدة استراتيجية
ليس المطلوب إلغاء الأحزاب، بل الاتفاق على الثوابت القومية الكبرى.
- استقلال القرار الكوردي
أي قضية تتحول إلى أداة بيد الخارج ستفقد نفسها تدريجياً.
- بناء قوة ناعمة
الإعلام، الاقتصاد، التعليم، والدبلوماسية لا تقل أهمية عن السلاح.
- فهم العالم كما هو
الدول لا تتحرك بالعواطف، بل بالمصالح. ومن لا يملك أوراق قوة حقيقية، لن يحميه أحد.
خاتمة: القضية التي لم تمت رغم كل شيء
ورغم كل ما حدث…
رغم سايكس–بيكو، ورغم آرارات، ومهاباد، والأنفال، وحلبجة، وكركوك، وسنجار…
ما زالت القضية الكوردية حيّة.
وهذا بحد ذاته أمر استثنائي.
فشعب يتعرض لكل هذا الحصار منذ قرن كامل، ثم يبقى متمسكاً بلغته وهويته وحلمه، ليس شعباً عابراً في التاريخ.
ربما يستطيع الآخرون تأخير الحلم الكوردي، تشويهه، محاصرته، أو استغلال انقساماته…
لكنهم لم ينجحوا حتى الآن في قتله.
والتاريخ يقول إن القضايا التي تنجو من كل هذا الألم، لا تموت بسهولة.

