أوامر دونكيشوتية… حين تُحارب السلطة طواحين السياسة – محمد ديب أحمد 

ليست المشكلة في أن تُصدر سلطةٌ أمراً ،
بل في أن تعتقد أن الواقع سينفّذه .
يبدو أن بعض القرارات لا تحتاج إلى دراسة بقدر ما تحتاج إلى مرآة ،
مرآة تُظهر حجم الفجوة بين ما يُطلب ، وما هو قائم فعلاً على الأرض .
حين تُطرح فكرة “حلّ” حزب بحجم وتأثير حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) ، فنحن لا نتحدث عن إجراء إداري عابر ، بل عن محاولة شطب واقع سياسي كامل بجرة قرار .
وهنا لا يعود الأمر متعلقاً بحزب بعينه ، بل بطريقة تفكير ترى في السياسة عبئاً يجب التخلص منه ، لا مساحة يجب تنظيمها .
في هذا السياق ، جاءت تصريحات السيدة إلهام أحمد لصحيفة عكاظ لتضع النقاط على الحروف ، حين أشارت بوضوح إلى أن دمشق طلبت حلّ حزب الاتحاد الديمقراطي وباقي الأحزاب الكردية ، وأن هذا الطرح قوبل بالرفض تحت عنوان الحفاظ على خصوصية المنطقة ، بانتظار إطار قانوني ينظّم العمل الحزبي .
بغض النظر عن الموقف من هذا الطرح أو ذاك ، فإن مجرد طرح فكرة “حلّ الجميع” يكشف حجم الخلل في فهم السياسة نفسها .
فالمشكلة هنا لا تتعلق بتفصيل قانوني ، بل بمنطق يرى أن التعدد يمكن تأجيله… أو إلغاؤه… إلى حين صدور ترخيص .
المفارقة أن الجهة التي تطالب بالإلغاء ، تتحدث في الوقت ذاته عن “تنظيم الحياة الحزبية”.
وكأن الطريق إلى التعددية يبدأ أولاً بتصفية التعدد .
لا يمكن إنكار أن هذا الحزب—بصرف النظر عن الموقف منه—شكّل أحد أبرز الفاعلين في المشهد في شمال وشرق سوريا ، وكان جزءاً من البنية التي تشكّلت في سياق الحرب على الإرهاب ، وما تبعها من ترتيبات إدارية وأمنية .
وتجاهل هذا الواقع لا يلغيه… بل يجعله أكثر تعقيداً .
لكن المسألة لا تتوقف عند حزب بعينه ، بل تتجاوز ذلك إلى تصور كامل للحياة السياسية :
إلغاء الموجود ،
 تمهيداً لإنتاج بدائل “مقبولة” وفق شروط مسبقة .
وهنا لا نكون أمام تنظيم للعمل الحزبي ، بل أمام إعادة هندسة له من الأعلى .
أحزاب تُمنح حق الوجود ،
لا لأنها تمثّل المجتمع ، بل لأنها لا تُقلق السلطة .
وهذا، ببساطة، ليس تعددية… بل نسختها المُروّضة.
نسخة لا تعكس الواقع، بل تعكس ما يُراد للواقع أن يكون عليه.
المشكلة أن هذه المقاربة تفترض أن السياسة يمكن صناعتها بقرار،
وأن المجتمعات يمكن إعادة ترتيبها كما تُرتّب المكاتب.
لكن التجارب كلها تقول العكس:
كلما جرى تضييق السياسة، تمددت خارج القوالب،
وكلما فُرضت بدائل مصطنعة، فقدت ثقة الناس قبل أن تبدأ.
السؤال هنا ليس دفاعاً عن حزب أو هجوماً عليه،
بل عن منطق الدولة نفسها:
هل تُدار الدول بإقصاء القوى الفاعلة، أم بإدماجها ضمن قواعد واضحة؟
الأكثر إثارة للسخرية، أن من يتحدث اليوم عن “ضبط الفوضى الحزبية”،
هو نفسه من لم يتحمّل يوماً وجود حياة سياسية حقيقية خارج عباءته.
يريدون مشهداً سياسياً نظيفاً…
نظيفاً إلى درجة التعقيم.
لا اختلاف فيه، لا ضجيج، لا مفاجآت—فقط أصوات منسجمة،
تختلف في الشكل… وتتطابق في الجوهر.
يريدون أحزاباً لا تُعارض،
ونقاشاً لا يُحرج،
ومجالاً عاماً لا يُنتج أسئلة صعبة.
باختصار:
يريدون سياسة بلا سياسة.
ثم، بكل جدية، يُطرح السؤال:
لماذا لا يثق الناس؟
ولماذا تتجه المجتمعات إلى خيارات أكثر حدّة؟
ربما لأن الناس—بعكس ما يُعتقد—تميّز جيداً
بين التعددية الحقيقية…
وتلك التي تُدار كعرضٍ مُسبق الإخراج.
أما الرهان على أن الضغط أو القوة كفيلان بإعادة ضبط الواقع،
فهو رهان قديم :
نجح مراراً في فرض الصمت…
وفشل دائماً في بناء الاستقرار .
لأن الاستقرار لا يُفرض ،
والسياسة لا تُلغى ،
والمجتمعات لا تُدار بالأوامر .
القفلة :
قد يكون من السهل إصدار قرار بحلّ الأحزاب ،
وقد يكون أسهل منه تجاهل الوقائع .
لكن ما هو أصعب بكثير ،
هو إقناع الناس بأن ما يرونه غير موجود ،
وأن ما يعيشونه يمكن شطبه بقرار .
لهذا تحديداً ،
تفشل الأوامر…
كلما حاولت أن تحلّ محلّ السياسة .
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *