نيجيرفان بارزاني: مهندس التوازن وجسر التواصل بين أربيل وبغداد- رمزي ميركاني

 

تُعدُّ العلاقة بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة إقليم كوردستان في أربيل واحدةً من أعقد الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية في عراق ما بعد عام 2003. وفي ظل هذا المشهد المليء بالتقاطعات والأزمات الدورية، برز اسم نيجيرفان بارزاني، رئيس إقليم كوردستان، كشخصية محورية ورجل دولة من طراز رفيع؛ استطاع عبر سنوات من العمل الدبلوماسي والسياسي أن يرسخ مكانته مفتاحاً للحل وجسراً للتواصل، متبنياً منهجاً واقعياً يضع الاستقرار الوطني فوق المصالح الحزبية الضيقة.

يتميز نيجيرفان بارزاني بأسلوب سياسي هادئ، يبتعد فيه عن التشنج الإعلامي، وهو ما منحه لقب “مهندس الدبلوماسية الكوردية”. تقوم فلسفته السياسية على مبدأ المنفعة المتبادلة، إذ يؤمن بأن قوة أربيل من قوة بغداد، والعكس صحيح. ولم تكن هذه الرؤية مجرد شعارات مستهلكة، بل تُرجمت إلى خطوات عملية في أصعب الظروف التي مر بها العراق، لاسيما بعد أزمة استفتاء 2017 وما تبعها من توترات عسكرية وسياسية كادت أن تعصف بكيان الإقليم وعلاقته بالمركز. في تلك اللحظة الحرجة، كان نيجيرفان بارزاني هو الذي قاد دفة التهدئة، معتمداً لغة الحوار والدستور كإطار وحيد لتفكيك الخلافات.

تتشعب الملفات العالقة بين بغداد وأربيل، بدءاً من قانون النفط والغاز، مروراً بالموازنة الاتحادية ورواتب الموظفين، وصولاً إلى المناطق المتنازع عليها (المادة 140). وفي كل هذه الملفات، كان بارزاني يتدخل لا كطرف مفاوض متصلب، بل كقائد يسعى لإيجاد مخارج قانونية وفنية ترضي جميع الأطراف. وتعكس زياراته المتكررة إلى بغداد، ولقاءاته التي تشمل كافة الأطياف السياسية (الشيعية والسنية والكوردية)، إيمانه الراسخ بأن “طريق الحل يمر عبر بغداد”. فهو لا يكتفي بالتواصل مع السلطة التنفيذية فحسب، بل يحرص على بناء تفاهمات مع القوى السياسية المؤثرة، مما جعله شخصية تحظى باحترام واسع في بغداد، تماماً كما هو الحال في أربيل.

ومن القواعد السياسية التي يرتكز إليها نيجيرفان بارزاني، هي أن قوة المفاوض الكوردي في بغداد تنبع من وحدة الصف في أربيل. لذا، بذل جهوداً مضنية لتقريب وجهات النظر بين الحزبين الرئيسين (الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني) وبقية القوى السياسية الكوردية. فمن خلال رئاسة الإقليم، عمل كمظلة جامعة، إدراكاً منه بأن أي انقسام داخلي في كوردستان، سيضعف موقف الإقليم في مفاوضاته مع الحكومة الاتحادية حول المستحقات المالية والملفات السيادية.

ولا يمكن فصل دور نيجيرفان بارزاني المحلي عن مكانته الدولية؛ فهو يمتلك شبكة علاقات واسعة مع دول الجوار (تركيا وإيران) والقوى الدولية المؤثرة (الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي). هذه المكانة سمحت له بأن يكون صمام أمان يمنع تحول الخلافات الداخلية إلى صراعات إقليمية، كما ساهمت في جذب الدعم الدولي لعملية الحوار بين أربيل وبغداد. وينظر المجتمع الدولي إلى بارزاني كشخصية ضامنة للاستقرار، قادرة على كبح جماح الأزمات قبل تفاقمها.

وفي الآونة الأخيرة، ومع تصاعد أزمة تأخر رواتب موظفي الإقليم، ظهر نيجيرفان بارزاني كصوت عاقل يطالب بضرورة إبعاد قوت المواطنين عن التجاذبات السياسية. وقد شدد في لقاءاته على أن المواطن العراقي، سواء في البصرة أو أربيل، يجب أن ينال حقوقه دون تمييز. هذا الخطاب الإنساني والوطني ساهم في تخفيف حدة الاحتقان الشعبي، وفتح آفاقاً جديدة لاتفاقات مالية أكثر استدامة بين الطرفين.

زيارته الأخيرة الى بغداد و لقائاته مع جميع القوى السياسية الشيعية والسنية والشخصيات البارزة، برهنت إن نيجيرفان بارزاني ليس مجرد رئيس لإقليم كوردستان، بل هو “صانع سلام” في بيئة سياسية شديدة التعقيد. يمثل وجوده في هرم السلطة ضمانة لاستمرار الحوار ومنع الانزلاق نحو القطيعة. إن قدرته على الجمع بين التمسك بالحقوق الدستورية للإقليم والحفاظ على سيادة ووحدة العراق، تجعل منه رقماً صعباً في المعادلة السياسية. وختاماً، يبقى نيجيرفان بارزاني هو “المفتاح” الذي يمتلك القدرة على فتح الأبواب المغلقة بين أربيل وبغداد، والمهندس الذي يشيد جسور الثقة في وقت يفضل فيه الكثيرون بناء الجدران.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *