ليست المشكلة في غياب الشراكة…
بل في تحويلها إلى لغة بلا مضمون .
لا تُقاس الشراكة السياسية بعدد المرات التي تُذكر فيها الكلمة ،
بل بمدى وضوح الحقوق قبل توزيع الواجبات .
وفي الحالة السورية ، يبدو أن هذا الترتيب لا يُختلّ صدفة ،
بل يُعاد إنتاجه كقاعدة :
واجبات تُطرح كأمر واقع ،
وحقوق تُترك في مساحة مؤجلة… أو قابلة لإعادة التعريف .
بهذا المعنى ، لا يجري بناء شراكة ،
بل ضبط العلاقة بين السلطة والمجتمع وفق منطق الامتثال .
هذا الخلل لا يبقى في مستوى الخطاب ،
بل يتسرّب إلى بنية المؤسسات نفسها .
حيث لا يعود السؤال :
من الأكفأ ؟
بل : من الأكثر انسجاماً مع الرواية الرسمية ؟
تدريجياً ، تتحول الكفاءة إلى مسألة قابلة للنقاش ،
بينما يغدو الولاء معياراً صريحاً لا يحتاج إلى تبرير .
وعندها ، لا يُكافأ من يُنتج ،
بل من لا يُربك الإطار .
في بيئة كهذه ، لا يتراجع الأداء بسبب نقص القدرات ،
بل لأن معايير القياس نفسها أُعيد تعريفها .
تصبح الأخطاء أقل ظهوراً… لا لأنها اختفت ،
بل لأنها لم تعد تُعرَّف كأخطاء .
السخرية هنا ليست مبالغة ،
بل توصيف دقيق :
حين تكون النتائج معروفة مسبقاً ،
يغدو العمل إجراءً شكلياً—تماماً كشراكةٍ لا تنتج توازناً .
في المقابل ، يُطرح “الحياد” كخيار آمن .
لكنه في واقع مختل لا يصنع توازناً ،
بل يترك المجال مفتوحاً لتكريس الخلل بصمت .
الأخطر أن هذه البنية لا تعمل بمعزل عن محيطها ،
بل تتقاطع رغم اختلاف الشعارات مع أنماط تفكير أكثر حدّة ،
تُقدّم الانتماء على الفكرةة،
وتُحوّل النقاش إلى اصطفاف .
وهنا ، لا تتراجع فكرة الوطن بقرار معلن ،
بل تتآكل تدريجياً ،
لتُستبدل بهويات ضيقة ،
تعجز عن إنتاج استقرار داخلي ،
أو حتى إدارة اختلافها .
من هذه الزاوية ،
لا يبدو ما يجري مجرد استمرار لنهج قديم ،
بل انتقالاً سريعاً نحو نمط أكثر صراحة في الإقصاء ،
نمطٌ استطاع خلال فترة قصيرة أن يعمّق الشرخ في البنية المجتمعية .
حتى الاتفاقات ، التي يُفترض أن تُخفف التوتر ،
تتحول أحياناً إلى إعادة صياغة لغوية للواقع ،
لا إلى محاولة فعلية لتغييره .
ومن منظور كردي ،
تبدو الصورة أكثر وضوحاً :
المسألة لا تتعلق بخلل في التطبيق ،
بل بغياب مفهوم الحقوق من الأساس عن بنية التفكير السياسي .
وعند هذه النقطة ،
تفقد اللغة قدرتها على التجميل :
نحن أمام علاقة غير متكافئة ،
تُقدَّم فيها الخيارات بصيغة واحدة
بهدوء أحياناً ،
وبصراحة أحياناً أخرى .
النتيجة لا تحتاج إلى استنتاجات معقدة :
مؤسسات تعمل ضمن سقف منخفض ،
مجتمع يتجه نحو مزيد من الانقسام ،
وسلطة تنشغل بالحفاظ على تماسكها ،
أكثر من سعيها لتطوير أدواتها .
عندها ، تفقد الشراكة معناها كأداة لتنظيم العلاقة ،
وتتحول إلى إجراء شكلي…
لا يُطوّر الواقع ، بل يضبطه .
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي

